في كل بقعة من أرض الجزائر شاهد من شهود الفاتح من نوفمبر ... وفي هذا المنشور أركز على ( معركة جبل قديل ب أولاد تبان ))... حتى لا تبقى بعض صفحات تاريخنا في الظل!
في كل بقعة من أرض الجزائر شاهد من شهود الفاتح من نوفمبر ... وفي هذا المنشور أركز على ( معركة جبل قديل ب أولاد تبان ))... حتى لا تبقى بعض صفحات تاريخنا في الظل!
تفصلنا ساعات قليلة ليبزغ فجر الأول من نوفمبر، حاملا معه ذكرى اندلاع أعظم ثورة عرفها تاريخنا المعاصر، ثورة نوفمبر المجيدة، التي أعلن فيها شعبنا أنه اختار الحرية، وأنه مستعد لدفع ثمنها مهما غلت التضحيات.
في هذه الذكرى العظيمة، أنتقل معكم إلى صفحات مشرقة من تاريخ ثورتنا، وأتوقف تحديدا عند (( معركة جبل قديل بأولاد تبان ))، جنوب ولاية سطيف، التي وقعت يوم 9 جويلية 1959، وهي واحدة من المعارك الكبيرة التي عرفتها المنطقة، وشارك فيها مجاهدون من وحدات تابعة لأكثر من ولاية تاريخية، في مواجهة القوات الاستعمارية الفرنسية التي حشدت إمكانات عسكرية معتبرة مستعينة بالخلف الاطلسي (( بعض الدراسات تقول أكثر من 20000 عسكري )، واستعملت مختلف أنواع الأسلحة والعتاد والطائرات ... في تلك المعركة استشهد من أبطالنا ما يقارب 200 شهيدا ... وفقدت فرنسا الغاشية العديد من زبانيتها وطائراتها وآلياتها ...
لم تكن معركة جبل قديل مجرد مواجهة عسكرية عابرة في مسار الثورة، بل كانت محطة من محطات الصمود والتضحية، وشاهدا على اتساع رقعة المواجهة، وعلى وحدة المجاهدين وتكامل جهودهم رغم صعوبة الظروف وقلة الإمكانات.
لقد امتزجت في ذلك الجبل دماء رجال آمنوا بأن الحرية لا تُمنح، وإنما تُنتزع بالتضحيات، وقدموا أرواحهم حتى تبقى الجزائر حرة عزيزة.
ولعل ما يستوقفني اليوم، ونحن نستقبل ذكرى أول نوفمبر، هو أن بعض صفحات تاريخنا الثوري لا تزال في حاجة إلى مزيد من البحث والتوثيق والتعريف، ومعركة جبل قديل واحدة من هذه الصفحات التي ينبغي أن تأخذ حقها من الاهتمام التاريخي والإعلامي والتربوي والفني والسبنيماتوغرافي.
إن الوفاء لشهدائنا لا يكون فقط باستحضار أسمائهم في المناسبات، ولا برفع الشعارات وإلقاء الخطب، وإنما يكون أيضا بحفظ تاريخهم، وتوثيق بطولاتهم، وإنصاف المعارك التي خاضوها، والتعريف برجالها وقادتها وشهدائها، حتى لا تضيع تضحياتهم في زحمة النسيان.
إنني أدعو المؤرخين والباحثين والجامعات ووسائل الإعلام، والسلطات المحلية والأسرة الثورية، وكل المهتمين بتاريخ المنطقة، إلى العمل على إنجاز دراسة تاريخية موثقة حول معركة جبل قديل، وجمع شهادات المجاهدين وأهالي المنطقة، والتحقيق في أسماء الشهداء والقادة، وتحديد وقائع المعركة وتفاصيلها، والعمل على تحويل موقعها إلى معلم تاريخي وذاكرة حية للأجيال ... مع العلم أن بعض من عايشوا الحدث لايزالون على قيد الحياة وقد تقدم بهم العمر من بينهم (( المجاهد عمي البشير بليليطة بن سي علي )) حفظه الله وقد تجاوز التيعين سنة من عمره.
فمن حق أبنائنا أن يعرفوا أن الحرية التي ينعمون بها لم تكن هبة، وأن وراءها جبالا من التضحيات، ومن حقهم أن يجدوا في كل منطقة من وطنهم شواهد حية تروي لهم قصص الرجال الذين صنعوا مجد الجزائر.
إن جبل قديل ليس مجرد اسم في جغرافيا أولاد تبان، بل هو صفحة من صفحات الذاكرة الوطنية، ومن حق هذه الصفحة أن تُقرأ، وأن تُوثق، وأن تُروى للأجيال .
رحم الله شهداءنا الأبرار، وأسكنهم فسيح جناته، وحفظ الجزائر وأدام عليها نعمة الأمن والحرية والسيادة.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.
تحيا الجزائر ...
لست مؤرخا ولكن المناسبة دفعتني الى الكتابة ... وللمؤرخين ومن عايشوا الحدث كلمتهم ... أما صاحبكم، صاحب هذا المنشور، فقد كان عمري أثناء المعركة شهر وخمسة أيام ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري