الدكتورعبد القادر سماري

قضية، من القرآن كلام الله، أرَّقتني وحيّرتني منذ أن بدأت أسمع القرآن وأتعلمه من والدي سيدي عمار وجدي الحاج الضيف رحمهما الله، ثم ازددت حيرة كلما استمعت أو قرأت للمفسرين والوعاظ، إنها قوله تعالى في سورة النساء :

قضية، من القرآن كلام الله، أرَّقتني وحيّرتني منذ أن بدأت أسمع القرآن وأتعلمه من والدي سيدي عمار وجدي الحاج الضيف رحمهما الله، ثم ازددت حيرة كلما استمعت أو قرأت للمفسرين والوعاظ، إنها قوله تعالى في سورة النساء :
(وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)
وكان تفسيرها سببا في مشكلة عائلية مع أحد أقرب الناس إلي، لاحظت جفاءً من جانبه وتهرب من مقابلتي، فقصدته مستفسرًا حاول التهرب فأصررت، فقال بألم ومرارة : أنتم معشر الإخوة أفسدتم زواج ابنتي وخربتم حياتنا، استفسرت أكثر فبلغني أن أحد الاخوة ألقى درسا حول الآية السابقة وتكلم عن مراحل تأديب المرأة الناشز ( الموعظة، الهجر في المضجع، الضرب) ثم بدأ يتكلم عن كيفية الضرب ووسيلته مستدلا بأقوال الفقهاء والمفسرين، وكان زوج إبنة صديقي حاضرا وبعد أيام حدثت مشكلة بينه وبين زوجته فبدأ بالتطبيق إلى المرحلة الأخيرة وحدثت الكارثة، كان ذلك أواخر الثمانينات من القرن الماضي، ازدادت حيرتي أكثر ... كان التساؤل حول هذا الأمر يتعبني، أيعقل أن هذا الدين وهذا الكتاب يأمر بضرب النساء، لم أكن أجرؤ لأنفي ولا أتحمل لأوصي بذلك، يقصدني الكثير في قضايا الاسرة فلا أُقِرُّ أبدا بالضرب، وأنا شخصيا لم أضرب إمرأة أبدا، إلا ما كان بيني وبين أخواتي في الصبا ... حتى كان الأمس جاءتني رسالة من أخي (رشيد صولي) لقد أشفت جزءا كبيرا من غليلي وأزاحت حيرتي عن هذا الموضوع وقدمت إجابة أراها مقنعة ومتناسقة مع عظمة الاسلام ورسالته، جاء في الرسالة ما ملخصه :
(((يقول أحد الباحثين " لم يذكر إسمه " لا يمكن أن يُتصوَّر أن يأمر الله بالضرب لشريكة الحياة بمعنى: الضرب باليد أو السوط أو العصا، وهذا المفسِّر يتعقب كلمة (ضرب) في القرآن ليأتي بمعنى جديد فيقول:
كنتُ على يقين أن ضرب النساء المذكور في القرآن لا يمكن أن يعني ضرب بالمعنى والمفهوم العامّي ،
لأنّ ديناً بهذه الرِّفعة والرُّقي والعظمة والذي لا يسمح بإيذاء قطة، لا يمكن أن يسمح أو يأمر بضرب وإيذاء وإهانة الأم والأخت والزوجة والإبنة
فالمعنى الرائع لكلمة (فاضربوهن) في الآية:
{وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً}النساء٣٤.
"من خلال المعرفة البسيطة في اللغة العربية وتطوّرها وتفسيرها فإن العقوبة للمرأة الناشز نراه في هذه الآية عقوبة تواترية تصاعدية: بالبداية تكون بالوعظ والكلام الحسن والنصح والإرشاد".
فإن لم يستجبن:
فيكون الهجر في المضاجع أي في أسرّة النوم وهي طريقة العلاج الثانية ولها دلالتها النفسية والتربوية على المرأة والهجر هنا في داخل الغرفة.
أما (واضربوهن) فهي ليست بالمدلول الفعلي للضرب باليد أو العصا لأن الضرب هنا هو المباعدة أو الإبتعاد خارج بيت الزوجية.
ولما كانت معاني ألفاظ القرآن تُستخلص من القرآن نفسه ، فقد تتبعنا معاني كلمة (ضرب) في المصحف وفي صحيح لغة العرب ، نجد أنها تعني في غالبها المفارقة والمباعدة والإنفصال والتجاهل ، خلافاً للمعنى المتداول الآن لكلمة (ضرب).
وفي المعاجم وكتب اللغة والنحو لو تابعنا كلمة ضرب لنرى مثلاً في قول:
(ضرب الدهر بين القوم) أي فرّق وباعد بينهم.
و(ضرب عليه الحصار) أي عزله عن محيطه.
و(ضرب عنقه) أي فصل العنق عن الجسد.
فالضرب إذن يفيد المباعدة والإنفصال والتجاهل.
وهنالك آيات كثيرة في القرآن تتابع نفس المعنى للضرب أي المباعدة:

{وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى} طه ٧٧
أي أفرق لهم بين الماء طريقاً.

{فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} الشعراء ٦٣
أي باعد بين جانبي الماء.

{لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ} البقرة٢٧٣
أي مباعدة وسفر وهجرة إلى أرض الله الواسعة.
{وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ}المزمل٢٠
أي يسافرون ويبتعدون عن ديارهم طلباً للرزق.
{فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} الحديد ١٣
أي فصل بينهم بسور.

ويُقال في الأمثال (ضرب به عُرض الحائط) أي أهمله وأعرض عنه.
وذلك المعنى الأخير هو المقصود في الآية…
أما الآية التي تحض على ضرب الزوجة {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}:
فالآية تحض على الوعظ ثم الهجر في المضجع والإعتزال في الفراش ، أي لا يجمع بين الزوجين فراش واحد ، وإن لم يُجْدِ ذلك ولم ينفع ، فهنا (الضرب) بمعنى المباعدة والهجران والتجاهل ، وهو أمر يأخذ به العقلاء من المسلمين ، وأعتقد أنه سلاح للزوج والزوجة معاً في تقويم النفس وإصلاح الأسرة والتخلص من السلوكات الضارة التي تهدد كيان الأسرة التي هي الأساس المتين لبناء المجتمع الإنساني.))) ... إنتهت الرسالة ... أطلت لأَنِّي اعتقد أنها تستحق.