الدكتورعبد القادر سماري

أي هدية تليق بعيد الميلاد ... اليوم أصبح عمري 59 سنة حسب التقويم الميلادي، 61 سنة حسب التقويم الهجري ... كلمني عدد كبير من الأصدقاء والأحباب متمنين لي طول العمر وصلاح العمل ، مشكورين، ... استوقفني هذا الحدث ... كيف مرت هذه السنوات الطوال بهذه السرعة؟ ...سألت نفسي: كم لبثت ؟ أجبت : إن لبثت إلا قليلا ... ثم تساءلت أي هدية تليق أن أقدمها لنفسي؟ ... ودون عناء وجدت الجواب ... أفضل هدية أن أشكر الله أولا ثم بالوالدين إحسانا ... وأنا أردد عبارات الثناء والتمجيد والشكر لله انطلقت صوب المقبرة حيث قبريهما مسافة نصف ساعة من سطيف... عند باب المقبرة يرن الهاتف إنه الآخ شفيق بومعراف بعد السلام والتحية هنأته بقدومه من العمرة قال لي أهنئك بدخولك عالم الستينات وكل عام وأنت طيب، شكرته ثم قلت له كم يؤثر في كتاباتك عن أمك رحمها الله وأنا الان عند باب المقبرة لزيارة الوالدين، ترحمنا عليهم و ... دخلت المقبرة وأنا ألقي السلام : السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم سابقون ونحن بكم ان شاء الله لاحقون اللهم من كان محسنا فزد في إحسانه ومن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته اللهم لا تفتنا بعدهم ولا تحرمنا أجرهم واغفر لنا ولهم ... كنت أمر بقبور رجال ونساء أعرف منهم الكثير تختلف أعمارهم من الطفل الرضيع إلى الشاب الى الكهول إلى الشيوخ الذين بلغوا من الكبر ما شاء الله لهم أتوقف بين الحين والحين لأدعو بدعوة خاصة لمن أعرف وأعلن شهادتي له على رأسه بما اعرف ... على بعد خطوات يظهر لي قبر سيدي وأمي أحب أن أتوقف لأنظر إليهما وأتخيلهما في الحياة ... وفقنا الله أن دفناهما متجاوران سيدي يتقدم أمي خطوة وهي وراءه على اليمين ... تماما مثل ما كانا يصليان في حياتهما ... أبتسم والدمع ينهمر... طوبا لهما ... تقدمت ومن عادتي أن أبدأ بالوالدة وقفت عند رأسها وأنا أتخيل جمالها بهاءها ضحكتها زعلها حرصها بكاءها ... ثم فجأة تذكرت ذات يوم 4 جوان 1959 يوم خميس وما حكوا لي عن يوم مولدي، فرنسا اللعينة حاصرت بيتنا في القرية بقصر الابطال تبحث عن جدي وأبي وأعمامي بعد أن قتلت عمي الشهيد سي لخضر في معركة جبل بوطالب لم يبق في البيت الا النساء ... حتى الاطفال أخذوهم ... أخي سيدي الميلود عمره 9 سنوات وعمي سيدي الصادق عمره 11 سنة وبعض أطفال القرية اقتادهم جيش الاحتلال الفرنسي الى المعسكر ( الكا le camp ) ... لم يبق مع الوالدة الا جدتي وزوجة عمي وأختي الكبرى ... كيف تلد امرأة في هذه الظروف... كيف تكون حالتها النفسية وحالتها الصحية ... وكيف تقدر على تحمل آلام المخاض والوضع في تلك الحالة ... بل كيف تفرح بمولودها ... ثم يخرج الطفل تتلقفني أختي من يد جدتي وتنادي إنه في : الكيس، لم اخرج مثل الاطفال، لقد خرجت في كيس المشيمة، فتحت جدتي المشيمة وأخرجتني منها وبقينا محتفظينا بها، مرت هذه الذكريات وانا عند قبر أمي دعوت الله لها بالرحمة والمغفرة والرضوان وسعة القبر وضياء القبر وحسن الوفادة على الله والعتق من النار قرأت الفاتحة تسارعت الى مخيلتي أحداث 29 سنة التي عشتها مع والدتي، هي 29 سنة ولكن منها 4 سنوات في الداخلية، 4 سنوات في الجامعة، 4 سنوات في فرنسا، وكل صيف أقضيه بعيدا عنها عند جدي أرعى الأغنام والبقر ... وجدتني لم أعش معها إلا أيام متفرقة ولكنها كانت أياما حلوة مليئة بالحنان والحب والعاطفة والضيوف والاستقبالات ... فرغت من هذا بصعوبة ثم تقدمت خطوة ... عند رأس سيدي رحمه الله ... إييييه أيها الرجل الطيب ... يا حافظ القرآن ... يا معلم القرآن ... يا مرتل القرآن ... يا صاحب الابتسامة التي لا تغادر محياه ... يا صاحب النظافة التي كانت عنوانك ... في ملبسك ... في مجلسك ... في فناء بيتك ... في طريقك ... يا صاحب القناعة التي حفظتها فحفظتها ... يا موزِّع التمر على الاطفال ... أين كنت يوم مولدي 4 جوان 1959 ... هل كنت في جبل بوطالب تتبع أثر أخيك الشهيد أم كنت بين كتائب المجاهدين توزع الرسائل وتقرأها لهم أم كنت في حلقة علم أم كنت في حملة ضد الاستدمار الغاشم ... المهم أعلم بأنه ليس سهلا أن تترك عيالك وزوجتك على أبواب النفاس والعدو يتجهمهم ... وقفت عند قبره ثم انحنيت ثم جلست ثم توسدت التراب ... وبدأت مناجاته والدعاء له ... تذكرت أسفارنا ... تذكرت مداعباتنا ... تذكرت ترانيمنا... تذكرت ذات ليلة حين دخلت عليك فجرا ووجدتك تبكي ، قلت لك : ماذا بك يا سيدي ، قلت : لا شيء لا شيء، ومع إصراري قلتَ والعبرات تخنق صوتك : توحشت سيدي الحاج الضيف ( جدي ، والده وكان قد توفي منذ 14 سنة ) لا أخفي عليك بأنني في ذلك الوقت استغربت ... ولكنني الان أتفهم حنينك لأبيك ودموعك العطرة لأنني أعيش نفس لحظاتك بحنين واشتياق لأنك غادرتنا منذ 32 سنة ... دعوت الله ان يجمعه بأبيه وأمه وأمي في البرزخ ... دعوت الله له سعة القبر وضياء القبر وحسن الوفادة على الله والرضوان والمغفرة والعتق من النار... قمت متثاقلا ... ثم غشي نفسي قوة خارقة لأنني تذكرت أنه ممكن روحهما تراني وأنا لا أحب أن يرياني ضعيفا كسولا وانطلقت بين القبور ذاكرا داعيا مرتلا ... وكانت الوجهة نحو ذاك المكان الذي ولدت فيه حيث غرست أشجارا لتكون صدقة على ( سيدي عمار - أمي جميلة - جدي سيدي الحاج الضيف - جدة مسعودة الحناشية - جدي المكي - جدة حدة ... رحمهم الله ) ... بعد ربع ساعة وصلت الى ذاك المكان الذي ولدت به قبل 60 سنة ورعيت فيه قبل 50 سنة ... جاءتني بعض الاتصالات من أصدقاء وأحباب وانا أعالج الأشجار وانزع الأعشاب ... كانت هذه هديتي لنفسي ... ربما أنا هدية القدر لأبي وأمي وأجدادي .

أي هدية تليق بعيد الميلاد ... اليوم أصبح عمري 59 سنة حسب التقويم الميلادي، 61 سنة حسب التقويم الهجري ... كلمني عدد كبير من الأصدقاء والأحباب متمنين لي طول العمر وصلاح العمل ، مشكورين، ... استوقفني هذا الحدث ... كيف مرت هذه السنوات الطوال بهذه السرعة؟ ...سألت نفسي: كم لبثت ؟ أجبت : إن لبثت إلا قليلا ... ثم تساءلت أي هدية تليق أن أقدمها لنفسي؟ ... ودون عناء وجدت الجواب ... أفضل هدية أن أشكر الله أولا ثم بالوالدين إحسانا ... وأنا أردد عبارات الثناء والتمجيد والشكر لله انطلقت صوب المقبرة حيث قبريهما مسافة نصف ساعة من سطيف... عند باب المقبرة يرن الهاتف إنه الآخ شفيق بومعراف بعد السلام والتحية هنأته بقدومه من العمرة قال لي أهنئك بدخولك عالم الستينات وكل عام وأنت طيب، شكرته ثم قلت له كم يؤثر في كتاباتك عن أمك رحمها الله وأنا الان عند باب المقبرة لزيارة الوالدين، ترحمنا عليهم و ... دخلت المقبرة وأنا ألقي السلام : السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم سابقون ونحن بكم ان شاء الله لاحقون اللهم من كان محسنا فزد في إحسانه ومن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته اللهم لا تفتنا بعدهم ولا تحرمنا أجرهم واغفر لنا ولهم ... كنت أمر بقبور رجال ونساء أعرف منهم الكثير تختلف أعمارهم من الطفل الرضيع إلى الشاب الى الكهول إلى الشيوخ الذين بلغوا من الكبر ما شاء الله لهم أتوقف بين الحين والحين لأدعو بدعوة خاصة لمن أعرف وأعلن شهادتي له على رأسه بما اعرف ... على بعد خطوات يظهر لي قبر سيدي وأمي أحب أن أتوقف لأنظر إليهما وأتخيلهما في الحياة ... وفقنا الله أن دفناهما متجاوران سيدي يتقدم أمي خطوة وهي وراءه على اليمين ... تماما مثل ما كانا يصليان في حياتهما ... أبتسم والدمع ينهمر... طوبا لهما ... تقدمت ومن عادتي أن أبدأ بالوالدة وقفت عند رأسها وأنا أتخيل جمالها بهاءها ضحكتها زعلها حرصها بكاءها ... ثم فجأة تذكرت ذات يوم 4 جوان 1959 يوم خميس وما حكوا لي عن يوم مولدي، فرنسا اللعينة حاصرت بيتنا في القرية بقصر الابطال تبحث عن جدي وأبي وأعمامي بعد أن قتلت عمي الشهيد سي لخضر في معركة جبل بوطالب لم يبق في البيت الا النساء ... حتى الاطفال أخذوهم ... أخي سيدي الميلود عمره 9 سنوات وعمي سيدي الصادق عمره 11 سنة وبعض أطفال القرية اقتادهم جيش الاحتلال الفرنسي الى المعسكر ( الكا le camp ) ... لم يبق مع الوالدة الا جدتي وزوجة عمي وأختي الكبرى ... كيف تلد امرأة في هذه الظروف... كيف تكون حالتها النفسية وحالتها الصحية ... وكيف تقدر على تحمل آلام المخاض والوضع في تلك الحالة ... بل كيف تفرح بمولودها ... ثم يخرج الطفل تتلقفني أختي من يد جدتي وتنادي إنه في : الكيس، لم اخرج مثل الاطفال، لقد خرجت في كيس المشيمة، فتحت جدتي المشيمة وأخرجتني منها وبقينا محتفظينا بها، مرت هذه الذكريات وانا عند قبر أمي دعوت الله لها بالرحمة والمغفرة والرضوان وسعة القبر وضياء القبر وحسن الوفادة على الله والعتق من النار قرأت الفاتحة تسارعت الى مخيلتي أحداث 29 سنة التي عشتها مع والدتي، هي 29 سنة ولكن منها 4 سنوات في الداخلية، 4 سنوات في الجامعة، 4 سنوات في فرنسا، وكل صيف أقضيه بعيدا عنها عند جدي أرعى الأغنام والبقر ... وجدتني لم أعش معها إلا أيام متفرقة ولكنها كانت أياما حلوة مليئة بالحنان والحب والعاطفة والضيوف والاستقبالات ... فرغت من هذا بصعوبة ثم تقدمت خطوة ... عند رأس سيدي رحمه الله ... إييييه أيها الرجل الطيب ... يا حافظ القرآن ... يا معلم القرآن ... يا مرتل القرآن ... يا صاحب الابتسامة التي لا تغادر محياه ... يا صاحب النظافة التي كانت عنوانك ... في ملبسك ... في مجلسك ... في فناء بيتك ... في طريقك ... يا صاحب القناعة التي حفظتها فحفظتها ... يا موزِّع التمر على الاطفال ... أين كنت يوم مولدي 4 جوان 1959 ... هل كنت في جبل بوطالب تتبع أثر أخيك الشهيد أم كنت بين كتائب المجاهدين توزع الرسائل وتقرأها لهم أم كنت في حلقة علم أم كنت في حملة ضد الاستدمار الغاشم ... المهم أعلم بأنه ليس سهلا أن تترك عيالك وزوجتك على أبواب النفاس والعدو يتجهمهم ... وقفت عند قبره ثم انحنيت ثم جلست ثم توسدت التراب ... وبدأت مناجاته والدعاء له ... تذكرت أسفارنا ... تذكرت مداعباتنا ... تذكرت ترانيمنا... تذكرت ذات ليلة حين دخلت عليك فجرا ووجدتك تبكي ، قلت لك : ماذا بك يا سيدي ، قلت : لا شيء لا شيء، ومع إصراري قلتَ والعبرات تخنق صوتك : توحشت سيدي الحاج الضيف ( جدي ، والده وكان قد توفي منذ 14 سنة ) لا أخفي عليك بأنني في ذلك الوقت استغربت ... ولكنني الان أتفهم حنينك لأبيك ودموعك العطرة لأنني أعيش نفس لحظاتك بحنين واشتياق لأنك غادرتنا منذ 32 سنة ... دعوت الله ان يجمعه بأبيه وأمه وأمي في البرزخ ... دعوت الله له سعة القبر وضياء القبر وحسن الوفادة على الله والرضوان والمغفرة والعتق من النار... قمت متثاقلا ... ثم غشي نفسي قوة خارقة لأنني تذكرت أنه ممكن روحهما تراني وأنا لا أحب أن يرياني ضعيفا كسولا وانطلقت بين القبور ذاكرا داعيا مرتلا ... وكانت الوجهة نحو ذاك المكان الذي ولدت فيه حيث غرست أشجارا لتكون صدقة على ( سيدي عمار - أمي جميلة - جدي سيدي الحاج الضيف - جدة مسعودة الحناشية - جدي المكي - جدة حدة ... رحمهم الله ) ... بعد ربع ساعة وصلت الى ذاك المكان الذي ولدت به قبل 60 سنة ورعيت فيه قبل 50 سنة ... جاءتني بعض الاتصالات من أصدقاء وأحباب وانا أعالج الأشجار وانزع الأعشاب ... كانت هذه هديتي لنفسي ... ربما أنا هدية القدر لأبي وأمي وأجدادي .