معذرة سأطيل بعض الشيء لطبيعة الذكرى ...
معذرة سأطيل بعض الشيء لطبيعة الذكرى ...
اليوم 19 جوان 2018 مرت 15 سنة على مغادرته لنا إلى الرفيق الأعلى إلى رحمة الله إلى دار الحق إلى الغفران والعتق من النيران إن شاء الله، في مثل هذا اليوم من سنة 2003 يخرج الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله من هذه الدنيا بعد أن أدى الذي عليه تجاه دينه ووطنه وشعبه وأمته والإنسانية جمعاء ونحن على ذلك من الشاهدين ... مثل الكثير من إخواني عشت معه محطات كثيرة، منها الحلو الأحلى من الشهد، ومنها المر الامر من الحنظل، في الاولى كنا شاكرين بفضل الله وفي الثانية كنا صابرين بحمد الله ... سافرت معه كثيرا ... سهرنا كثيرا ... قرأنا كثيرا ... فكرنا كثيرا ... خططنا كثيرا ... ضحكنا كثيرا ... بكينا كثيرا ... سهرنا كثيرا ... عطشنا كثيرا ... جعنا كثيرا ... وكلها كانت محطات علم وتجربة وتمحيص.
أول إتصال به كان عبر الهاتف وأنا طالب في مدينة قرونوبل بفرنسا في شهر ديسمبر 1983 لأدعوه لملتقى جمعية مسلمي الإيزار association des musulmans de l'isere فأخبرني بأنه قد أصيب بكسر فأحلناها موعد اللقاء، فكان بعدها أول لقاء مباشر يوم 4 أفريل 1984 بمدينة بوردو Bordeaux بغرب فرنسا في ثاني ملتقى لمسلمي فرنسا الذي اصبح فيما بعد يسمى البورجي le bourget ، وأول لقاء عملي بالجزائر كان بعد رجوعي من فرنسا في بيته بالبليدة في أفريل 1986 ... ولعل من أهم الذكريات ما يلي ومعذرة أنها مبعثرة :
-من أواخر اللقاءات معه كان في بيته بالعاصمة وهو على فراش المرض في سريره، أخبرناه بأن السيد ( فلان من كبار المسؤولين ) سيأتي لزيارته بعد قليل ، فقال لا يجب أن يراني هكذا فإن كان محبا علينا أن نريه منا ما يسره ويفرحه وإن كان غير ذلك فعلينا أن لا نترك الشيطان يدفعه للشماتة ، قمنا بتحسين حاله وتغيير ديكور المكان والسرير والكرسي، دخل صاحبنا ورغم أنها كانت زيارة معايدة إلا أنها كانت أيضا جلسة دعوة وخدمة للدين والوطن ... وفيها عبر ودروس
- في المستشفى بفرنسا زرناه في بداية ماي 2003، قال لنا : تعالو نزور واحد من رجال الجزائر له أفضال على البلد وهو في حالة مرضية إنه معالي الوزير آيت مسعودان زرناه واطمأننا على حاله ... وفيها عبر ودروس
- زرناه بعد زلزال بومرداس 21 ماي 2003 وكانت زيارة معايدة ثم أصبحت جلسة عمل فجلسنا في غرفته ودعونا بعض الجمعيات ورؤسائها من الجزائريين واتفقنا على جمع إعانات من خيم وأدوات واتصلنا بوزير النقل وقتها وشحنا كثير من الاعانات على متن الخطوط الجوية الجزائرية وسلمت للمحتاجين
- في إحدى زياراتنا الى الاْردن طلبنا من مضيفينا أن يأخذونا الى الحدود مع فلسطين قمنا بجولة ميدانية إلى أم قيس ثم إلى قرب المعبر بين الاْردن وفلسطين تراءت لنا الاراضي المباركة ... دعونا وتعاهدنا على أن لا نفرط فيها وأن نخدم فلسطين بما نستطيع.
- رافقته في كثير من اللقاءات مع رؤساء الجزائر وكان كلامه حول ثلاث أمور فقط : الاسلام - الجزائر - فلسطين ، كان بعض الاخوة يلومونه أنه لا يحسن التفاوض .
- في لقاءات لجنة الحوار بجنان الميثاق بالعاصمة وبحضور كبار المسؤولين كان حريصا على أداء الصلاة في وقتها، حريصا على تثبيت الهوية الاسلامية للدولة الجزائرية والشعب الجزائري في مختلف الوثائق والمشاريع، حريصا على جذب الآخرين لمشروعه في سلاسة ورفق وحنان.
- في زياراتنا لبيت الله الحرام والحرم المدني ، كانت جلساتنا لختم القرآن، فكلما قارب أحدنا على الختمة نجلس في صحن الكعبة أو عند الروضة المشرفة ونقرأ من سورة الضحى إلى الناس ثم الفاتحة ثم بداية البقرة الى ( ... هم المفلحون ) ثم ندعو طوييييلا
- في تحريرنا وكتابتنا لأي بيان أو تصريح، كان حريصا القراءة وإعادة القراءة وتقليب وجهة النظر: كيف سيفهمه الطرف الفلاني وكيف سيقرأه الطرف الفلاني وكيف سيؤوله الطرف الفلاني، قد نبقى في كتابة بيان واحد من عدة أسطر ساعات حتى لا نكون فتنة لغيرنا ولا تكئة للمتربصين بالدِّين والوطن
- في حواراته مع الغرب كان حرصه الاكبر كيف يبهرهم بالإسلام ويجذبهم إليه في الملبس والمجلس والمأكل والمنطق والكلام في غير ذُل ولا استعلاء.
- جالس وخاطب معظم الرؤساء والملوك والمسؤولين العرب والمسلمين فأبهرهم بسلوكه وعفته وأخلاقه وحسن منطقه والتزامه ، ولم يفوت فرص النصيحة في غير فضيحة والتوجيه في غير تعنيف.
- كان يعشق الجمال والرشاقة والاناقة في كل شيء، يستحسن الحسن فيما يرى ويسمع ويعيش ويضيف إليه، يرغب في نيل ما يعجبه وقد يفصح على ذلك ولكنه يتعفف ويتوقف، فكم من حلال رغب فيه ولكنه انصرف عنه ليبرأ ولذلك شواهد عدة.
- لم يكن يتكلم أبدا عما عاناه في مختلف مراحل حياته في الثورة أو في السجن في جزائر الاستقلال أو في مشاق الدعوة والسياسة، ولا يذكر منافسيه الا بما يتطلبه موضوع النقاش والعمل.
- لم تكن الأسماء والشعارات تعني له الشيء الكثير بقدر ما يهمه العمل، فتغيير اسم الحركة لم يستوقفه كثيرا حين تم اعتماد دستور 1996 ، بل حرص على تثبيت القيم والمبادىء ووسائل العمل.
- يوسع دائرة المشورة والاستئناس بآراء الغير حتى الذين يخالفونه في الرأي أو الموقف أو التوجه، فكم من لقاءات عقدها مع الشيوعيين والاشتراكيين والعلمانيين يأخذ ويعطي دون تزمت ولا ميوعة، دون افراط ولا تفريط .
- يأتيه البعض بالمعلومة وكان قد سمعها قبل ذلك فلا يشعره أبدا أنه على علم بذلك، بل يستفسر أكثر ويطلب المغزى من المعلومة وكيف يجب أن يستعملها.
... عاش مراحل دقيقة وحساسة من تاريخ الجزائر وتاريخ الامة الاسلامية فلم يُحد عن دعوته ولم يفرط في انتمائه ولم ينتكس على عقبيه، تكيف مع الاوضاع المختلفة بما يضمن استمرار الدعوة وخدمة الدين ورفعة الوطن وحماية الامة... لعل الشعار الذي نسي الكثير من إخواني هو ما كان يردده : (إذا اقتضى الحال وانتفى المانع) ، وقوله : (فاتقوا الله ما استطعتم) ...
في كل محطة كان يقتضي الامر اتخاذ موقف وتحديد الاولويات ، أصاب أو أخطأ فيما ذهب إليه وفي اجتهاداته مع إخوانه في تلك المحطات : المهم كان همُّه وهمهم الوحيد خدمة الدين ورفعة الوطن والدفاع عن حياض الامة وعلى رأسها فلسطين، وحسبنا، كما كان يردد دائماً الشيخ محمد بوسليماني رحمه الله : أننا نُشْهِد الله بأننا لم نتعمد الخطأ كما لم نتعمد الإساءة لأحد ... اللهم اغفر له وارحمه وأرض عنه وتقبل منه وألحقنا به على خير ... مسيرة 20 سنة معه ربما تتطلب الكثير وليس هذه السطور المقتضبة... عذرا وألف عذر له ولكل اخواني وأخواتي السالكين طريق الدعوة والعمل في مختلف التخصصات والمواقع فهذه ليست مذكرات ولكنها فقط محطات أملت الذكرى فربما هناك احداث اهم مما ذكرت ... والله المستعان ...