هذا هو سبب ذُلِّنا وتأخُّرِنا ... قصة حقيقية حدثت لي ... بكيت وكبَّرت أربعا على أمتنا:
هذا هو سبب ذُلِّنا وتأخُّرِنا ... قصة حقيقية حدثت لي ... بكيت وكبَّرت أربعا على أمتنا:
قبل سنة توفيت زوجة أحد أصدقاء والدي رحمه الله، حضرت مراسيم الدفن وبقيت أزور زوجها كل مساء لمواساته، في إحدى الأمسيات أقبل شاب يدفع كرسي متحرك وعليه رجل طاعن في السن ، حين اقترب منا وسلَّم كانت ملامحه مألوفة لدي، أغمضت عينيَّ لبرهة لأرجع بذاكرتي إلى الوراء لأكثر من أربعين سنة خلت، فتحتهما قائلا: سيدي ( فلان ) قال : نعم من معي ، قلت : سماري عبدالقادر، جمال ولد سي عمار رحمه الله، حدَّق في مليا ثم أشار إلي أن اقترب، أخذ يدي لتقبيلها فسحبتها في رفق ثم انكببت أقبل رأسه ويديه وأنا أقول : أنت واحد ممن علموني الأدب والاخلاق والعلوم وقذف في نفسي حب الدراسة ودفعوني نحو المعالي ولن أنسى دروسك في النحو والصرف ودراسة النصوص الهادفة، اغرورقت عيناه ثم قال: وزيرنا ... فرصة طيبة قد كنت أتابع نشاطاتك وافتخر بك ولكن الظروف أقعدتني والبصر أصبح ضعيفا، ثم تذكرنا بعض الاساتذة والتلاميذ الذين كانوا في صفنا، ثم غيَّر الحديث وبدأ يتكلم عن والدي، سيدي عمار رحمه الله، ومآثره وزهده وعلاقته الحميمية به ... ثم قال لي : ما حكم الصدقة أو الهدية لصديق الأب ؟ قلت : ذاك من بر البر وقد تكون الهدية أوجب، أحسست أنه يلمح لشيء ما ، كان أحد الاستاذة ( ع ) قريب منا ويتابع حوارنا دون أن ننتبه، بعد لحظات سحبني ( الاستاذ ع ) إليه وقال : إن وضعه المادي جد سيّء فهل فهمت قصده؟ ... ابتعدت قليلا ... وأخرجت في سر ما كان معي وتظاهرت أنني أودعه ... بعد ذهابه بدأ الاستاذ ( ع ) يكلمني عن أحوال الاساتذة والمعلمين والقامات التي علمت الاجيال وكيف أصبحت مهمشة بعيدة عن الحياة لا يستفاد من خبرتها تعيش في ضنك بأجور تقاعد لا تكفي لشيء ... تذكرت إحدى زياراتي لأمريكا واليابان وكيف يُتعامل مع ذوي الخبرة والمرجعيات ... تذكرت إحدى مداخلاتي في البرلمان حول ضرورة الاهتمام بالجيل الاول من المعلمين والمربين والإفادة منهم وحسن استغلال قدراتهم ... أيقنت أنه يراد للاجيال القادمة أن تنسلخ عن مرجعيات الامة وقيمها ... وأيقنت أنه لا يزال أمامنا الكثير من العمل والجهد لنخرج مما نحن فيه ...