الدكتورعبد القادر سماري

كم هو جميل ذاك الشعور الذي يعيشه الانسان وهو يرجع الى أرض أجداده، يتذكر مآثرهم ويعيش تراثهم ويتتبع آثارهم، يتعلم من معاناتهم الصبر والجد والكد، ويتعلم من جهادهم التضحية والثبات، ويتعلم من انجازاتهم حب العمل وبذل الجهد .

كم هو جميل ذاك الشعور الذي يعيشه الانسان وهو يرجع الى أرض أجداده، يتذكر مآثرهم ويعيش تراثهم ويتتبع آثارهم، يتعلم من معاناتهم الصبر والجد والكد، ويتعلم من جهادهم التضحية والثبات، ويتعلم من انجازاتهم حب العمل وبذل الجهد .
عشت هذه المعاني ابتداء من عصر يوم الأربعاء ( ثاني محرم 1440 / 12 سبتمبر 2018 ) حين حططت رحالي ب حمام بلعكري ب ( أولاد تبان ) أرض الأجداد التي عاشوا بها قرونا عدة متمسكين بدينهم وأرضهم وتقاليدهم، قضيت الليلة الاولى متنقلا بين قراها ومداشرها، زرت بعض الاقارب وصليت المغرب والعشاء في مسجد القرية الذي يعرف توسعة جديدة، فرغم أني لم انقطع عن زيارة اولاد تبان الا أن هذه الزيارة لها نكهة خاصة، فلم تكن بدعوة من أي جهة، ولم تكن من أجل متابعة أنشطة دعوية أو سياسية أو علمية، كما أنها لم تكن وفق برنامج رسمي، بل هي زيارة للسياحة والتدبر والتأمل. فبعد صلاة فجر يوم الخميس خرجت في جولة مشيا على الأقدام بين غابات وهضاب المنطقة المحاذية ل ( حمام بلعكري ) حيث يقابلها جبل ( تندر ) الشامخ ، هواء نقي عليل، نسمات الصباح مشبعة بجزيئات الأوزون المنعشة لخلايا الدماغ، كانت جولة صباحية عشت فيها بين كتاب الله المقروء تاليا لآيات كتابه وبين كتاب الله المنظور متدبرا في حسن خلقه ثم مرددا لما ورد عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أدعية الصباح حامدا شاكرا متضرعا داعيا الله حسن الخاتمة وإتمام النعم والرحمة والمغفرة للوالدين والصلاح للابناء والاخوة والأحباب، بعدها رجعت الى إقامتي حيث استجبت لداعي الاسترخاء والنوم فغفوت ساعةً أو بعض الساعة حتى جاء أحد ابناء عمومتي المقيمين في بلدة اولاد تبان ( عبدالمالك سماري بن عبدالسلام ) حاملا معه حليب البقر ومستلزمات فطور الصباح ، تذاكرنا بعض الوقت مستذكرين الاجداد والايام الخوالي، ذكّرني في جدي الحاج الضيف لما كان يأتيهم من قصر الابطال ماشيا على الأقدام لزيارة إبن عمه الشيخ الطيب ( جد عبدالمالك ) وأخته علجية ( جدة عبدالمالك ) فأنا وعبدالمالك نلتقي في الجد السادس فهو ( عبدالمالك بن عبدالسلام بن الطيب بن لخضر من مبارك بن رابح بن عمر بن عيسى بن سالم ) وأنا ( عبدالقادر بن عمار بن الضيف بن موسى بن عيسى بن الضيف بن عمر بن عيسى بن سالم ) ، ومع استواء الشمس في مدارها خرجت أسيح في ربوع أولاد تبان، بدأت بالجهة التي يتواجد بها الحمام، وهي منطقة القبلة، فأولاد تبان منطقتان، لقبالة والظهارة، لقبالة في الشرق والظهارة في الغرب، والمنطقتان تضمان 12 بطنا وكل بطن عدة أفخاذ، فزرت بالمنطقة القبلية عدة مواطن لعدة بُطُون البعاطيش والخرايف والسهاهلة وغيرهم، كلها مناطق عامرة، فترى الاولاد متجهين الى المدارس والاباء في الحقول وآثار الامهات يحملها الأثير برائحة المطلوع والمأكولات المنزلية الطبيعية، ثم قفلت راجعا الى الغرب فمررت بالصرح الذي هو في طريق الإنجاز ( زاوية سعد التباني العالم المجاهد رحمه الله )، مررت بمقر البلدية ( نسميه في السابق المكتب ) وهو ملتقى كل ابناء العرش من مختلف البطون والأفخاذ، تذكرت السنوات الماضية والزيارات المكوكية التي كنت أقوم بها الى بلدية اولاد تبان سنوات التسعينات من القرن الماضي نلتقي بشبابها وكهولنا وأعيانها، كنت وقتها نائبا في البرلمان وكنا نتباحث عما ينقص البلدية ... الطريق ... الماء ... الكهرباء ... الغاز ... النقل ... السكن ... دار للشباب ... انشاء الجمعيات والنوادي ... أكاد اتذكر كل لقاء بتفاصيله ... توقفت عند بعض تلك الإنجازات حمدت الله وشكرته طويلا على ما وفقنا له واستغفرته واستسمحته كثيرا على التقصير والخطإ والنسيان ... استوقفني الكثير من الشباب والشيوخ مسلِّمين وسائلين عن الأحوال صلينا الظهر بالمسجد المركزي ثم أكملنا الجولة الى الجهة الغربية، الظهارة، مررنا ب( العيون) ثم ( المطروح ) حيث توجد مواطن ( أولاد عيدة ) ويسمون أيضا ( اولاد سالم ) وإليهم تنتمي أربعة ألقاب ( سماري، لعبيدي ، سليك ، بلقاسم ) فرّقتهم فرنسا اللعينة باستحداث الألقاب الجديدة ، مررنا ببعض ابناء العمومة في حقولهم قطفنا بعض العنب والتين، رأينا أشجار اللوز المملوءة بالثمار كما مررنا بحقول اللوبيا الخضراء واليقطين، ثمارها قد أينعت وحان قطافها، وأغنامها وإبقاؤها ممتلئة مكتنزة، تذكرت حينها تلك الخيرات التي كانت تحمل في البواخر والسفن من هذه الارض الطيبة متجهة الى أوروبا وبلاد المشرق والباب العالي ومختلف الدول الافريقية ، ثم اتجهنا غربا الى ( الخرزة ) ثم ( بونصرون ) الوادي الشهير والحدائق الغناءة ، رجعت بي الذاكرة الى أواسط الثمانينات من القرن الماضي لما زرت المنطقة مع أخويّ الكريمين د. العربي زروال د. ناصر الشلالي كنا ضيوفا عند عمي عيسى سماري الكفيف رحمه الله كنا نصطاد السمك من النهر بايدينا ثم نشويه ونتلذذ بطعمه، ثم ذهبت بي الذاكرة الى بداية السبعينات ، مع السيد النواري معاش الرئيس الحالي لبلدية اولاد تبان والأخ المرحوم عزوز يحيى ابن الشيخ احمد بلحاج الصالح، كنا شبابا وكانت تستهوينا الأشجار والجبال فنأتي لأولاد تبان مشيا على الأقدام وندخل البساتين والحدائق ونخرج محملين بمختلف الفواكه والخضار وخاصة المشمش ... بعدها توقفت عند جبل ( قديل ) وتذكرت زيارة سابقة مع مجموعة من الباحثين والمؤرخين والمجاهدين حين وضعنا اللافتة التي تؤرخ لهذا الموقع حيث جرت في جبل قديل أول معركة مباشرة بين المجاهدين الجزائريين وجيش العدو الفرنسي، كما كان قاعدة ومركزا أساسيا لجيش التحرير ابتداء من سنة 1956 ... ترحمنا على الشهداء ثم رجعت الى الإقامة بالحمام وهناك التقيت بالسيد ( رشيد بلعكري صاحب المركب السياحي ) تذكرنا لقاءاتنا السابقة حين كان يشرف على مطبعته والخدمات التي قمنا بها معا من خلال ( مؤسسة الاحياء والتنمية ) قدمت له تهاني الخالصة على هذا الصرح الشامخ وهذا الإنجاز الكبير قادني إلى جولة في مرافق المركب السياحي والمشاريع المستقبلية والتوسيعات القادمة والخدمات الفندقية ونوعية الغرف والأجنحة، ثم تكلمنا عن النقائص اللازم استدراكها مثل الطريق والإنارة العمومية وغيرها الواجب ان تقوم بها السلطات البلدية ... حقا انه مشروع واعد ربما يحقق للجزائريين رغباتهم السياحية ويصبح قطبا جاذبا للسواح الأجانب ... وهكذا انتهى اليوم الاول والثاني من جولة اولاد تبان ... يتبع ان شاء الله