الدكتورعبد القادر سماري

بمثله فاقتدوا يا شباب والشيوخ والكهول أيضا ...

بمثله فاقتدوا يا شباب والشيوخ والكهول أيضا ...
(( من أجل ذلك إخترته ليكون مدير التشريفات ( البروتوكول ) فكان في المستوى ، بل وأفضل مما تمنيت ))
كلمة في فقيدنا اليوم ،،،
إنا لله وإنا إليه راجعون،
لله ما أعطى ولله ما أخذ وكل شيء عنده بأجل مسمى،
اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيرا منها،
وأنا متجه لصلاة الظهر في أقصى شمال الكرة الأرضية يأتيني خبر وفاة واحد من الرجال الذين عشت معهم أياما وأشهرا وسنوات، ستبقى محفورة في الذاكرة لن تنمحي...
حين كلمني شقيقي عبدالحليم ، وهو يعرف جيدا علاقتي بالرجل، ليقول لي بعد السلام : هل الظرف ملائم لأخبرك بأمر جلل،
قلت : لا بأس تفضل
قال : عمي (عبدالهادي السايح) كتب في صفحته بأن عمي ( عبدالرحمن لخضاري ) انتقل إلى رحمة الله ...
استرجعت، إنا لله وإنا إليه راجعون،
وترحمت عليه : اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وتقبل منه وأدخله الجنة واحشره في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ...
( عمي عبدالرحمن رحمه الله ) هكذا أناديه دوما، كان لي الناصح الأمين والمعين الصادق والرفيق المؤتمن ... دمعتان دافئتان إنسابتا من مقلتَيَّ ...
ثم بدأت سلسلة الأحداث التي عشتها معه تمر في ذاكرتي ...
آخر تلك المحطات كانت قبل أشهر حين زرته في بيته في ( قرية دار الحاج بلدية قنزات ولاية سطيف ) مع مجموعة من الأصدقاء، وقد تفرغ ليكون قيِّم المسجد المجاور لبيته، تذاكرنا في الحاضر والماضي وما يخبؤه لنا القدر في المستقبل سائلين الله حسن الخاتمة، ...
أما المحطات الأخرى، فهي كثيرة ومتنوعة، كلها متعلقة بخدمة الإسلام والجزائر ...
دعوني أبدأ باللحظة الفاصلة و المفصلية ...
يوم 29 ماي 2001، كنا في مسرح الهواء الطلق بالعاصمة لإحياء الذكرى العاشرة لتأسيس الحركة، كان عمي عبدالرحمن هو القائم على خدمة الشيخ محفوظ نحناح رحمهما الله: يهيء المكان، يستقبل الضيوف ويرتب الامور... بعد أن أنهينا التجمع، ذهبنا إلى فندق السفير حيث أعد لنا مديره ( السيد حسان بن علاق رحمه الله ) عشاء وجلسة مسائية ...
وصلت متأخرا، وجدت الاستاذ السيد الوزير (عبدالمجيد مناصرة) في بهو الفندق، قال لي : عندك مكالمة ،
قلت: مِنْ مَنْ ؟
قال : من رئاسة الجمهورية، عليك أن تتصل بهم الآن هذا هو الرقم ...... ؟
احترت في الامر، ما هو سبب الاتصال، كنت في ذلك الوقت نائبا لرئيس البرلمان السيد ( عبدالقادر بن صالح رحمه الله) فظننت أن الأمر يتعلق بالبرلمان ...
إتصلت بالرئاسة، قدمت نفسي الدكتور عبدالقادر سماري،
قال المتحدث : أهلا وسهلا ،السيد الرئيس يريدك، أنتظر لا تقطع الخط ...
ثم في أقل من دقيقة، الرئيس على الخط بعد التحية والسلام
يقول : سي عبدالقادر، إن شاء الله تكون معنا في الحكومة في وزارة الصناعات الصغيرة والمتوسطة، .
قلت : إن شاء الله خير، و الشيخ محفوظ.
قال : ذاك رجل متفهم، وسأبلغه، ويمكنك أن تكلمه.
ثم أضاف : بعد قليل يتصلون بك لترتيب الأمور ... وذكر لي من سيتصل...
بعد المكالمة إنتقلت مع الاستاذ عبدالمجيد حيث الجلسة في سطح فندق السفير ...
كان هناك الشيخ محفوظ نحناح والشيخ عبدالرحمن شيبان والشيخ باي بلعالم، رحمهم الله، وهم محاطون بمجموعة من الأساتذة والشيوخ من بينهم الاستاذ بن علاق والحاج سليمان دهيري والشيخ عبدالهادي سايح والحاج عزيز وآخرون ... وعمي عبدالرحمن لخضاري قائم على خدمتهم ... سلمنا على الجميع وخصصنا المشايخ بالتحية ... أذكر جيدا أن الشيخ باي بالعالم رحمه الله قال لي بابتسامته المعهودة : روح يا سماري الله يسمرك في الجنة ... ضحكنا جميعا ...
ثم تقدمت من الشيخ محفوظ رحمه الله وأسررت له وأخبرته فيما بيننا بالمكالمة والوزارة، لم يقم لي أنه على علم أو لا علم الله ...
ابتسم ثم قال لي : ربي يوفقك، ربي يعاونك وحافظ على نفسك ...
الآخرون لم أطلعهم على الأمر .
وتابعنا جلستنا وسهرتنا التي كانت حافلة والمواعظ واللطائف والنكت كانت حاضرة أيضا ..
بعدها كانت مكالمة من مدير ديوان الرئاسة لترتيب الامور، وطلبوا مني اختيار شخص يكون مكلف ب : التشريفات ( البروتوكول ) ...
المكلف بالتشريفات في كل القطاعات، هو سمعك وبصرك ويدك ورجلك،
لما خلوت بنفسي، بدأت استحضر أسماء الأشخاص الذين يمكنهم القيام بهذه المهمة، خاصة أنه حسب متابعاتي بأن المسؤولين كانت معظم مشاكلهم من ( مدير التشريفات ) ...
خمسة أسماء من خيرة من عرفت تبادرت إلى ذهني، وتمثلت لي أطيافهم ...
ثم قفز إلى مخيلتي ( عمي عبدالرحمن ) زاحم الاسماء الأخرى وبدأت سيرته التي عرفتها منذ أكثر من 15 سنة، تفرض نفسها ...
لقد كان حاملا همَّ الوطن الجزائر، يعشقها، يحبها، يتفانى في خدمتها،
كان من السابقين الأولين في حقل الدعوة إلتزاما وسلوكا وعملا وتضحية،
كان من القلة القليلة في العاصمة التي فتحت أبوابها وبيوتها، للدعاة، للمربين، للأساتذة، للقادمين من الولايات البعيدة ( مع حفظ الاسماء ) رغم أن بيته الواقع في (المرادية Golf ) صغير عبارة عن F3، ولكنه آوى الجميع، وخاصة مواعيد الشيخ محفوظ لما يتطلب الأمر أن تكون خارج المقر .
كان من الفريق الذي رافق الشيخ بوسليماني رحمه الله والاستاذ لحسن بن سعد الله في دعم البوسنة والهرسك،
كان عارفا بمدينة الجزائر العاصمة، أحياؤها، شوارعها، مداخلها، مخارجها، مواقع الوزارات، والمديريات،
كان سائقا ماهرا ، سرعة في غير تهور، حذر في غير خوف، كما كان حاذقا في مواعيد السفر وتذاكر الطائرات والحجوزات ...
كان من القلائل الذين رافقونا في الحركة منذ التأسيس، بل وقبل التعددية، دون منٍّ ولا أذى ،
كان صادقا في نضاله من أجل الاسلام والجزائر، لم يكن يطلب شيئا،
وقضايا أخرى في خدمة الأمة يعرفها الحاج عزيز وعايشها معه إذا أراد ذكرها ...
كان عمي عبدالرحمن شبعان ... شبعان بأتم معنى الكلمة ... وقنوع،،، وهو موظف في مؤسسة الاسمنت،
وما كنت لأنسى محطة من المحطات الرئيسية في حياتنا في البقاع المقدسة، أثناء حج 1995، والجزائر تغلي تحت نير المأساة الوطنية، ونحن نتواصل مع مختلف الشخصيات كيف كان حريصا على المواعيد لنشرح للناس، باختلاف توجهاتهم ومواقعهم، بأن ما يحدث في الجزائر ( هي فتنة ) لا رابح فيها بل الكل سيخرج خاسرا،
ثم أنه قد دخل العقد السادس من عمره، وقد أخذ التقاعد منذ شهرين فقط، فأكيد أن الحياة قد عركته وأعطته دروسا،
كما أنه كان ناصحا أمينا لنا في جلساتنا المختلفة ...
كما أنني أعرف أسرته جيدا، فكم من مرة قضيت الليل عنده بعد لقاءات المكتب الوطني أو الدورات والأنشطة المختلفة،
كما لا أنسى صيف 1998، وقد خطب الدكتور ( زهير حنوف ) أختي ( نونة سماري ) لتكون زوجته وهو مقيم في ماليزيا، وكان علي أن أرافقها إلى ماليزيا عروسا، فقضينا ليلتنا عنده في العاصمة ونهلنا من نصائحه وتوجيهاته لها كزوجة مستقبلية، سافرنا من عنده إلى ماليزيا لتصبح بعد ذلك ( الدكتورة نونة سماري ) في كبرى جامعات كوالالمبور... لقد تسارعت إلى ذهني تلك المواقف ...
نمت وقد عقدت العزم أن ( عمي عبدالرحمن لخضاري) هو الوحيد الذي يليق بي وأليق به ويليق بالمنصب ...
مع بزوغ فجر اليوم التالي كلمته،
قلت له: إنني في الفندق رجاء تأتيني أحتاجك في أسرع وقت، كانت الساعة الخامسة فجرا ... عند السابعة صباحا كان عندي في الغرفة ...
بعد التحية والسلام، أخبرته بالوزارة ...
قال لي: مبروك، واش تحتاج رانا هنا ...
قلت له: والله ما كنت أنتظر هذه الوزارة ...
نظرت في عينيه مليا ثم قلت له : أحتاجك أنت
قال : في ماذا
قلت : مدير التشريفات chef protocole
ضرب فيها وحد الضحكة،
وقال لي : أنت تضحك والا منك بالصحة
قلت : عمري كان مني بالصحة مثل الآن
قال : البروتوكول يحتاج واحد jeune، شباب، زفالت ... موش واحد كيما أنا خلص حياتو قالها بالفرنسية
fin de carrière
قلت له : اسمع مني يا عمي عبدالرحمن، ثم قرر
قال : هاذي برك أخطيك منها نعاونك نشوفو واحد .
قلت له : اسمع مني عندي ثلاث أسباب إذا ما قنعتكش ربي يسهل
قال : ماذا
قلت : السبب الأول أريد واحد ينصحني ويحافظ علي ويكون كأبي وأنت تعرف معنديش أبي سيدي عمار مات عندو بزاف.
والسبب الثاني أريد واحد نخدم أنا وإياه الاسلام والجزائر لا خوف ولا طمع، ولا يحجبني عن الناس، بل يساعدني في خدمة الناس .
والسبب الثالث أنت في عمرك ستين وأنا مازلت شباب نستحفظ بيك لعل ربي يجيبلي واحد يستحفظ بيا لما أبلغ الستين ...
اغرورقت عيناه ... بكى ... ثم قال لي : يعني أنا برك جيت قدام عينيك
قلت له : هكذا أراد الله ...
اتفقنا ... خرج من عندي مبتسما ... باكيا ...
بعدما رتبت أموري في الوزارة ...
اتخذت القرار بتعيينه، وأصبح عمي عبدالرحمن لخضاري مدير التشريفات في وزارة الصناعات الصغيرة والمتوسطة ... وبدأنا مشوارا كله أحداث وأسفار ومفاجآت ومغامرات وقرارات و تحديات و... و ...
هذا هو عمي عبدالرحمن لخضاري الذي فقدناه اليوم... نبكيه لأن فراق الرجال من طينته محزن ومؤلم ولكن املنا في الله كبير أن يجعله إن شاء الله من أصحاب الفردوس الاعلى ... فحسب علمي والغيب عند الله فإنني أشهدكم وأشهد الله أنه كان نظيف القلب نظيف اللسان نظيف اليد ...
وأنا الآن في حيرة من أمري :
هل أكمل في هذه الصفحة ( مسيرة سيدي عمار رحمه الله ) التي بدأتها ... أم أنطلق في كتابة ذكرياتي مع عمي عبدالرحمن لخضاري ...
اللهم اغفر لهم وارحمهم وارض عنهم وتقبل منهم وادخلهم الجنة ونجهم من النار واحشرهم في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا بهم على خير ... والله من وراء القصد ...
جمعة مباركة للجميع
والصلاة والسلام على المصطفى الشفيع.
د. عبدالقادر سماري