يوم أمس، السبت،
يوم أمس، السبت،
كان تحقيقا لكلمة الوفاء، وتجسيدا لمعانيها، حيث يعتبر الوفاء من أغلى وأثمن القيم والاخلاق التي يَتَزيَّن بها الانسان،
وفاءً خالصًا لله تعالى،
كما أن هذه الكلمات خالصة عسى أن تكون نموذجا يحتذى به،
فيوم أمس
مع إطلالة صباحه ، وصلني من أخي (حمزة بلعروسي حفظه الله) خبر وفاة رجل أفنى شبابه وكهولته وشيخوخته في سبيل الله، هو
(( محند مقران آيت عيسى )) رحمه الله، سأحكي لكم بعض خصاله وشذرات من سيرته الطيبة ...
بعد الخبر تواصلت مع أخي الكبير عمي ( محمد بن براهيم حفظه الله )، فهو يسكن معه في نفس الحي ( ديار السعادة المدنية العاصمة ) يفصل بينهما شارع فقط، وربما تكون لي فرصة أتناول فيها لمحة عن أخي ( محمد بن براهيم )،
المهم تواصلت معه لأستفسر عن الامر، فأكد لي الخبر، ولكنني أحسست من صوته بأنه مريض، بعد السؤال، حاول أن يطمئنني ولكنني ألححت فعرفت أنه مريض ومنذ أيام لم يخرج من البيت،
تواصلت مع أخي ( عبدالرحمن جناد حفظه الله ) أخبرته بالموت والمرض، فجاءني مسرعا ...
وانطلقنا من اسطاوالي نحو المدنية،
ولا كلام بيننا سوى عن الرجال والنساء الذين أفنوا حياتهم في خدمة الإسلام والجزائر،
ذكرنا الكثير منهم ، وخاصة أولئك المصابيح من أمثال فقيدنا اليوم، الذين :
إذا حضروا لم يُعرفوا وإذا غابوا لم يُفتقدوا ،
الذين لا يعرفهم الكثير من الأجيال الجديدة، والذين هم أصلا حسنة من حسناتهم ولكن يتجنبون الظهور والاشهار...
فقررنا أن نزور بعضهم وخاصة المقيمين في المدنية، والقريبين من سكن فقيدنا،
فقلنا نبدأ بعمي محمد بن براهيم
ثم نعزي أبناء الفقيد،
ثم نمر إلى الأخ مراد ازياخن،
وبعده عمي محمد لقواسي،
هؤلاء الثلاثة الأحياء كانت لهم أدوار طيبة في بدايات الصحوة، وخاصة سنوات السبعينات والثمانينات، ولقد أبلوا البلاء الحسن في سنوات الحزب الواحد والتوجه الفرنكو علماني اشتراكي ،
يمكن للشباب أن يرجع إليهم ويتواصل معهم ليتعرف على مسارات العمل الدعوي ...
المهم ... بعد وقت قصير كنا بين ( المدنية و المرادية) ، اختلط علينا الشارع الموصل إلى بيت عمي محمد، لمحنا مجموعة جالسة تحت شجرة، قلنا نسألهم، توقفنا عندهم فإذا هم مجموعة من الرعيل الاول في العمل الثقافي والدعوي والتكويني من أبناء المرادية والمدنية، أذكر من بينهم :
الاستاذ محمد بومهدي
الحاج نورالدين
الاستاذ يزيد
ويا لمحاسن الأقدار الذي بادر لاستقبالنا حين نزلنا من السيارة هو الابن الاكبر ل عمي ( محمد بن براهيم )
جلسنا معهم بعض الوقت، إطمأننا وكل عن حال إخوانه، تذاكرنا أيام البدايات، قادما الحديث عن بعض المستجدات في الساحة الوطنية والدولية ... ثم ودعناهم وانطلقنا مع ابن عمي محمد بن براهيم، إلى بيته، فكانت زيارة طيبة،
الاستاذ عمي محمد بن براهيم من الاوائل الذين شاركوا في تأسيس النواة الأولى للعمل الدعوي، كما كان لي معينا ومساعدا لما كنت أمينا وطنيا للتخطيط في المكتب الوطني مع الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، قضينا معه وقتا طيبا، اطمأننا على حالته ثم ودعناه،
محطتنا الثانية كانت عند أبناء عمي ( محند مقران آيت عيسى ) قدمنا لهم التعازي وخاصة لابنه ( الشيخ جمال آيت عيسى حفظه الله ) ثم اغتنمناها فرصة أمام بعض المعزين لنقدم نبذة عن مسيرة فقيدنا رحمه الله، وهي أيضا فرصة طيبة لنقدمه لأصدقائنا في هذا الفضاء ليعلموا بأن ما نحن فيه لم يأت من العدم، ولا هي نزوات مرحلة ، بل هو إرث غالي، أخذناه كابرا عن كابر، من رجال ونساء هممهم أبعد من الجوزاء،
فقيدنا هو
المجاهد المترجم القاضي الشرعي والمربي الشيخ ( محند مقران آيت عيسى ) رحمه الله والذي غادرنا الى جوار ربه عن عمر يناهز 96 سنة ميلادية فهو من مواليد 1929،
رجل عرفناه قبل أكثر من ثلاثين سنة مع بدايات التحول في جزائرنا الحبيبة، وبعد نضالات طويلة ،
علاقته الشخصية بالشيخ محفوظ نحناح رحمه الله كانت مع أواسط السبعينيات من القرن الماضي مع مجموعة ( صالانبي )،
ثم كانت لنا معه جلسات التشاور وتبادل وجهات النظر، وخاصة خلال التسعينيات والمرحلة الحرجة التي عشناها،
ولقد كانت لآرائه مكانة خاصة والتي صقلها مساره الثري، و تجاربه المختلفة،
فهو من الرعيل الاول لثورة التحرير الوطني، والصديق المرافق لبطل الجزائر العقيد عميروش رحمه الله، والإمام المربي والمعلم لابناء الشعب قبل اندلاع الثورة، فعلى يديه تربى العديد من الشباب الذين التحقوا بثورة التحرير الوطني، فمنهم الشهداء الذين بذلوا أرواحهم لله، ومنهم المجاهدين الذين بقوا لما بعد التحرير وشاركوا في بناء الجزائر المستقلة ،
كما أنه كان القاضي الشرعي لجيش التحرير الوطني،
وبعد الاستقلال كان مترجما في رئاسة الحكومة، وكان من إطارات الدولة الجزائرية المتشبعين بقيم الأمة ومبادئها المناضلين ،
بعد التعددية التحق بجمعية الإرشاد والاصلاح، ثم بحركة المجتمع الاسلامي، ونظرا لعلاقته القديمة مع المجاهد ( حسين آيت أحمد رحمه الله ) فلقد كان حلقة وصل بينه وبين الشبخ محفوظ نحناح رحمه الله ، وهذا موضوع فيه الكثير من التفاصيل ...
ثم كانت له مشاركة طيبة في إنشاء ( رابطة الزوايا الرحمانية ) التي يرأسها فضيلة الشيخ الوزير ( مأمون القاسمي حفظه الله )، كما كانت له مساهمات طيبة وإلى وقت قريب في جمعيات تحفيظ القرآن والعمل الدعوي والتربوي،
أما منتوجه الخالد فهو (( ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة القبائلية وبالحرف العربي )) ... كانت لنا هذه الكلمات في الجلسة الصباحية في بيت الفقيد رحمه الله ...
وحيث أن الجنازة قد حدد وقتها لصلاة العصر ، فاغتنمنا الوقت لزيارة الأخوين الآخرين ،
فكانت المحطة الموالية عند الاخ ( مراد اخيازن ) ، الاخ مراد حفظه الله من الطبقة الثانية في مسيرة الصحوة الذين كانوا شبابا مع بداية مرحلة السرية، ولعل أهم ما كان يقوم به هو مساعدة عمي ( محمد قراط رحمه الله ) في الجانب الاعلامي، ومن بيته كانت تخرج المجلات والأشرطة التربوية والتكويني لمختلف مناطق القطر الجزائري ، جلستنا مع الاخ مراد كانت خفيفة ولكنها كانت ذات معاني وتأثير عليه وعلينا ...
من عنده انطلقنا إلى بيت
عمي ( محمد لقواسي حفظه الله ) عمي محمد رغم أنه قارب الثمانين سنة من عمره وهو مريض، لكنه يتكلم بِهِمة الشباب، لما يتكلم عن كيف تحول بداية السبعينات من القرن الماضي، من شاب مشاغب ضائع متهور إلى رجل رسالي حاملا لواء الدعوة، يكلمك عن تلك المرحلة ونفسه تهفو ورنو لأن يعيدها مرة أخرى، يكلمك عن خروجه الأول مع جماعة الدعوة والتبليغ، ثم عن اللقاء الأول مع الشيخ محفوظ نحناح الذي غير نظرته لكل شيء، ثم عن السجن مع الشيخ محفوظ والشيخ بوسلماني رحمهما الله، في وقت بومدين رحمه الله، ثم السجن في قضية بويعلي في عهد الشاذلي رحمه الله رغم أنه لم يكن له بها أي علاقة، ثم مشاكل عشرية المأساة الوطنية، وكيف كان تعرض للأذى من طرف المتشددين الذين كفروا جميع مخالفيهم، عمي محمد لقواسي ربي يبارك لنا يبدأ يتكلم بحر من التاريخ ، حتى الكلام عن الشيخ الشعراوي رحمه الله لما يكن في المدنية ، والشيخ الابراهيمي رحمه الله عن الدروس التي كان يلقيها في المدرسة البسيطة التي أسسها شباب الحي، المهم قضينا معه وقتا ممتعا إلى غاية صلاة الظهر ...
ثم غادرنا المدنية ...
لنرجع إليها قبيل صلاة العصر، وهناك كان اللقاء في بيت فقيدنا ، مع الشيخ الإمام الوزير مأمون القاسمي حفظه الله، حيث فسيح لنا المجال لإلقاء نظرة أخيرة في هذه الدنيا على جثمان الشيخ المجاهد عمي محند أمقران آيت عيسى رحمه الله ... فلما حقوت علي ركبتيَّ لتقبيل جبينه انهالت الدمعات، وفي لحظات توالت على مخيلتي الذكريات التي عشناها معه، وتلك الكلمات التي كان دوما يرددها بابتسامته الحلوة (( آنسكم الله )) ...
بعدها انتقلنا مسجد ( الشيخ المكي ) فصلى لنا الشيخ مأمون صلاة العصر، ثم صلاة الجنازة ... وفي المسجد كان اللقاء مع الأخ الحبيب والصديق الوفي وبحر العلم والفهم والأدب الشيخ الدكتور ( سعيد بوزري حفظه الله ) الذي جاء معزيا في استاذ والده، ذلك أن الشيخ ( آبت عيسى ) كان معلم وأستاذ والده، ومن عنده خرج أب الشيخ السعيد ليلتحق بجيش التحرير الوطني، ليرتقي شهيدا رحمه الله ... ومع الشيخ السعيد بويزري كانت الرفقة إلى مقبرة المدنية، أثناء الذهاب إليها والرجوع إلى البيت عشنا لحظات أغلى من حمر النعم، عشنا الحب والود والثقة التي رافقت تعارفنا خلال العقود الماضية، أخي الدكتور السعيد بوزري تربطني به علاقة نحتسبها لله راجين أن ينفعنا بها يوم نلقاه، فلقد خضنا غمار العمل الدعوي والتربوي والسياسي ومجالس الصلح والإصلاح مرات عديدة ...
بعد أن وارينا التراب شيخنا آيت عيسى جاءت كلمات التأبين ، الأولى من أخي الفاضل الامام الورع العالم العامل الشبخ محمد بلغيث حفظه الله، ذكّرنا بمناقب الفقيد وسماته ومساهمته في تربية النشء ...
ثم كلمة شيخنا وإمامنا مأمون القاسمي حفظه الله، الذي ساح بنا في تاريخه مع الشيخ الفقيد والتي ترجع إلى سنة 1971، أكثر من نصف قرن، صداقة ومحبة وتعاون جمعتهما مع ثلة من أخيار الجزائر، وأطلق العنان للكلمات التي عبر من خلالها عن جهاد الفقيد وتضحياته وعطاءاته ونضاله، حتى خلت نفسي لا أعرفه ... حقيقة إن لله رجالا حباهم الله بالعمل ويسر لهم سبل العطاء وفتح لهم وبهم الابواب ...
كانت جنازة مهيبة جمعتنا بالعديد من أهل الله وخاصته ... لرجل ذي أسرار وخصائص أذكر منه :
إخلاصه في النصيحة،
وصدقه في الانتماء،
وهدوءه في معالجة الامور،
وكتمانه للسر،
ووفاءه للرجال،
وخدمته للقرآن،
وصمته الطويل ،
وبشاشته الدائمة،
وابتسامته الجذابة ...
اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وتقبل منه وأدخله الجنة ونجه من النار واحشره في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا به على خير ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري







