الدكتورعبد القادر سماري

تهيء لنا الأقدار فرصا فنغتنمها وفاءً وحبا واستذكارا وحنينا...

تهيء لنا الأقدار فرصا فنغتنمها وفاءً وحبا واستذكارا وحنينا...
محطات ولقاءات كثيرة خلال هذا الأسبوع، بين الأهل والاقارب والاحباب والاصدقاء في ربوع ولايتي سطيف وبرج بوعريريج، بعضها إجابة دعوات والبعض الآخر أداء واجبات، لا يسع هذا الفضاء ذكرها كلها،
كنت قد ذكرت بعضها في منشورات سابقة ...
أما الآن سأتكلم عن محطتين كانتا خلال الأيام الماضية.
الأولى كانت وجهتي إلى مسقط رأسي ( دوار اولاد بوكثير ) يسمى في الأوراق الرسمية ( قبلة زديم ) من بلدية قصر الابطال، كانت تسمى ( قصر الطير) ، في رحابها خرجت لهذا الوجود، أزورها كثيرا لاسترجاع الذكريات، أشم هواها، وأسير في شعابها وأوديتها، أتذكر قطعان الغنم التي رعيتها، وأتذكر يوما هربت لي بقرة إلى لعياضات قيل لي أصابتها ( الطاكوكة) كان يوما عصيبا وأنا حينها لم أتجاوز الخامسة عشر من عمري، لا يزال بها ( ريح الحاج الضيف وسيدي عمار وجدة الحناشية ) في جنباتها، زيارة واجبة لعمي شقيق سيدي عمار ( دادة السعيد سماري ) لقد تجاوز التسعين سنة، وقد قارب المئة، هذا المجاهد الصابر المحتسب الخدوم، أذكر وأنا صغير كيف كان يدخل إلى البئر ليحفره ويزيد في عمقه إذا نقص ماؤه، وأذكر كيف كان يربط البغال في (المرنونة) للدرس بعد الحصاد، وأذكر كيف كان يرتقي فوق البيدر ( النادر ) لترتيب التبن ...
لما وصلت للبيت، استأذنت ودخلت، إستقبلتني زوجته، بعد السلام، قلت لها: كيف حال عمي
قالت : هو نائم تعبان ولا يعرف الناس
دخلت غرفته، قلت : السلام عليكم، بصوتي الجهوري كعادتي
إلتفت إلي ورد السلام
مددت يدي ونزلت أقبل رأسه،
قلت : من أنا ؟
قال : إيييه جمال !
قالت لي زوجته : والله جاء فلان وفلان وفلانة ولم يعرفهم ( ذكرتْ أسماء من الأقارب )
قال عمي: جمال برك ما ننساهش
ثم جلسنا نتذاكر وهو يسأل وأنا أجيب، حتى قال لي : كيف حال خديجة ؟
وقفت منبهرا، خديجة لم يرها منذ مدة، وهي مريضة منذ أكثر من سبع سنين لا تسافر، كيف تذكرها ...
قلت : الحمد لله شوية تعبانة سأحاول الاتصال بها لعلها ترفع الهاتف
أخذت هاتفي، عملت رقم الواتساب فيديو، رنتان أو ثلاثة ... ظهرت خديجة ، أرَيْتُها ( عمي السعيد ) بالهاتف،
نادت ( عمي السعيد واش راك )
قال لها : الحمد لله ربي يشفيك يا بنتي
ثم رفع يديه وهو يدعو ويبتهل إلى الله ويتضرع إليه ... كانت لحظات لا تقاس بثمن ... حاولت أن أربط الاتصال مع أختاي ( نسيمة و حمامة ) المقيمتان خارج أرض الوطن ولكنني لم اتمكن ...
ثم جلست مع عمي السعيد، أحفر في ذاكرته عن طفولته فيجيبني وعن القرآن فيجيبني، ثم عن الحجة الأولى لجدي الحاج الضيف والده : وهنا راح يحكي باستطراد، قال : كان ذلك قبل ثورة التحرير بسنوات، لقد جاء رابح سماري رحمه الله بسيارته وأخذه هو وحجاج آخرين إلى عنابة ومن عنابة ذهبوا بالباخرة إلى مصر ومن مصر ذهبوا إلى الحجاز، قاموا بأداء فريضة الحج في مكة، والزيارة في المدينة، وكنا نسميها حجة عنابة، وبقينا ننتظر عدة أشهر حتى رجع ... ثم بدأت أسأله عن الثورة والجهاد وهو يخبرني كيف كان بحفر القازمات ( المخابيء ) وكيف يدفنون الاوراق وماذا فعلت فرنسا بعد استشهاد عمي ( سيدي لخضر سماري رحمه الله ) ... حقا كانت جلسة ممتعة ... ودعت عمي حفظه الله وانطلقت مع مرافقي ...
أما المحطة الثانية فكانت في مدينة سطيف، لزيارة أحد الاصدقاء بعد أن رجع إلى أرض الوطن، وكان قد أجرى عملية جراحية في بلجيكا، فكان لزاما علي زيارته، خاصة أنه قبل عدة أسابيع توفيت والدته ولم أحضر الجنازة لأنني كنت في انكلترا،
المهم هذا الرجل العصامي في التكوين والذي منذ عرفته وهو صريح وقوي في الطرح ولا يخاف لومة لائم خاصة في المجال الاقتصادي، وكثيرا ما كنت أستشيره في ما يتعلق بالقوانين والأوضاع التي تمس القطاع الخاص حيث أنه هو الرئيس المدير العام لشركة
( صافصار safser ) الشهيرة في مجال ( مواد البناء ) وقد طورها وارتقى بمنتجاتها التي أصبحت تضاهي المنتوجات الاوروبية، إنه الاخ ( عمار سكلولي ) .
والحقيقة أن علاقتي به ترجع إلى عدة سنوات لما كان والده ( عمي قدور سكلولي المدعو مازة ) رحمه الله على قيد الحياة، كان يجدني عنده ، ذاك الرجل العامل المناضل المتواضع، كنت قد عرفته قبل أكثر من أربعين سنة، حين كنت طالبا في جامعة سطيف، وكان هو المقاول الذي يشرف على بناء الجامعة ومرافقها كنت أجالسه كثيرا، ثم لما تخرجت ورجعت أستاذا ومديرا للدراسات العليا بمعهد الكيمياء الصناعية في جامعة أصبحت علاقتنا أكثر حميمية وأكثر قربا، رغم فارق السن بيننا الذي يتجاوز الخمسة وعشرين سنة، فقد أصبحت بيننا صداقة قوية ولقاءات دورية، لي معه الكثير من الذكريات ولعل الذكرى التي لا ولن انساها هي لما زرته في إحدى المرات، وجدته منقبضا، قلت له : نخرج في فسحة ،
خرجنا، كنت أقود سيارتي، بعد جولة على أطراف المدينة، توجهت إلى مقر ( جمعية الإرشاد والإصلاح ) في حي ( البيرقاي )، حيث توجد ( روضة الأطفال )
دققت الباب،
صوت نسائي قال : تفضل
فتحنا الباب أنا وعمي قدور، دخلنا القسم،
استقبلتنا المعلمة ببشاشة،
قلت : السلام عليكم
وقف الاطفال وبصوت واحد قالوا : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
عرفتني المعلمة وقدمتني للبراعم دون سن السادسة،
ثم بدأتُ أسأل التلاميذ :
ماذا تقول عند بداية الاكل؟
ماذا تقول عند النوم ؟
ماذا تقول عند دخول الخلاء ؟
ماذا تقول وانت خارج من البيت ؟
أسئلة كثيرة ... والبراعم يجيبون بلغة عربية فصيحة وأدب جم ...
إلْتَفَتُّ لعمي قدور، رأيت الدموع تنحدر من مقلتيه على وجنتيه ... ثم طلبت من بعض البراعم قراءة سور من القرآن ... ثم ودعناهم وخرجنا ...
ونحن عائدون إلى مكتبه قال لي: لقد فرجت على قلبي وارحتني، الحمد لله أن الله أبقاني في هذه الحياة حتى رأيت هذا الخير من أبناء الجزائر ما كنت أظن أن أبناء وبنات الجزائر يصلون إلى هذا المستوى، وصيتي لكم حافظوا على هؤلاء الأولاد إنكم في عمل يقوم به الانبياء ... منذ ذلك الحين كان لا يتأخر عن تقديم العون للأعمال الخيرية ... قبل أن أغادر مكتب الاخ عمار، دخل علينا ( ابن أخيه بوعلام ) قلت له : إن جدك وأباك وأعمامك قد أوجدوا لكم إسما ومكانة عليكم أن تحافظوا عليه ... بهذه الزيارة إلى الاخ عمار أكون قد أديت بعض الواجب تجاه عمي قدور ...
لما خرجنا من عند سي عمار سكلولي كنت أردد بيني وبين نفسي :
ثلاثة أصناف من الناس لو اجتمعوا لكان لهذا البلد وهذا الشعب الخير الكبير :
1-- العلماء والمصلحون
2 -- السياسيون وأصحاب القرار
3 -- التجار ورجال الأعمال .
اجتماع هؤلاء الأصناف الثلاثة سيأتي بالخير العميم ...
رافقني في هذه الزيارات الاخ ( نبيل عزة) حفظه الله فكان نعم الرفيق ... لا يمكن كتابة كل ما يجول في الخاطر من هذه الزيارات ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري