إنا لله وإنا إليه راجعون
إنا لله وإنا إليه راجعون
لله ما أعطى ولله ما أخذ،
رحل أحد الاصدقاء …
رحل فجأة دون مرض ولا ألم
تعارفنا لما كنا طلبة في جامعة قرونوبل بفرنسا
وكان يومها يحضر الدكتوراه في علم البلورات cristallographie…
عرّفني به الاخوان العزيزان الدكتور (عمر عبد القادر) وهو من العاصمة وأصوله من قنزات، والدكتور (أحمد حوزي) من فرندة بتيارت،
ومع تعاقب الأيام، كانت الزيارات بيننا تزداد، والقرب يتشكّل ولكن في حدود الدراسات والابحاث وبصفتنا جزائريين ... حتى جاء ذلك المساء الذي لا أنساه… حين جلس أمامي، وقد تلألأت في عينيه رغبة لا تشبه شيئًا عرفته فيه من قبل، وقال بصوتٍ خافت لكنه حاسم:
"أريد أن أبدأ الصلاة."
كانت تلك الكلمة بداية حياة جديدة…
بداية انفتاح القلب الذي ظلّ مغلقًا لسنوات طويلة.
ومن يومها تغيّر كل شيء…
بدأ يحضر معنا الصلوات، ومجالس الذكر، وجلسات التربية والتكوين، وقيام الليل… وكنا نتواصى أن نكون الأفضل في أبحاثنا ودراساتنا وجامعتنا ...
كما أصبح يشارك في جولاتنا وزياراتنا للمراكز والمساجد وخاصة زيارات التعريف بالمساجد التي كنا نبنيها في قرونوبل وما جاورها من أجل الدعم، وللمعلومة لم يكن في مدينة قرونوبل لما دخلناها بداية الثمانينات أي مسجد ، بل كنا نكري جانب من الكنيسة ونقيم فيها صلاة الجمعة بعد أن نغطي التماثيل ... ثم بالعمل والاجتهاد فالحمد لله لقد خرجنا منها وتركنا بها وبمحيطها القريب اكثر من 12 بين مسجد قائم بذاته ومصلى ولا ادري الان كم بها من مسجد ...
أذكر إحدى المرات ذهبنا إلى ملتقى في مدينة (نيس ) جنوب فرنسا، سافرنا معه في سيارته R12، ولما كنا راجعين في الطريق بين
فالانس ومرسيليا هبت رياح قوية كادت أن تذهب بنا، نزلنا من السيارة واختبأنا وراءها ندفعها في الاتجاه المعاكس للرياح حتى لا تطير مع الرياح...
وأذكر مرة، ربما يذكرها أخي عمار وأحمد والعربي ورفقاء قرونوبل، كان عندنا مقر قرب ساحة فاردان verdain، كنا نستعمله في لقاءاتنا، وفي أحد الليالي كنا فيه لقيام الليل، صليت بهم وكان صوتي جهوري عال، فجاءنا الجيران، وكانت لنا معهم جلسة طيبة ...
ثم بعد مدة جاءني ضاحكا وقال لي بشيء من الذهول :
"أتدري… أنا كنت أكره المتدينين…
وكنت مستعدًا أن أمسكهم بيدي – وأنا صاحب الحزام الأسود في الكاراتيه – وأمزقهم…
لا أعرف لماذا… كنت في عالم آخر... اما الان فأنا واحد منهم ووالله إنهم أحب الناس الى قلبي"
كان يقولها بكل اعتزاز، ثم يرفع عينيه وفيهما نورٌ صافٍ قرات فيهما التوبة النصوح حتى أنني غرت منه وغبطته …
ومن يومها رأيته يتبدل…
يتسامى…
يلين قلبه …
ويشرق وجهه بنور ذكرٍ متواصل.
سافرنا معا عدة مرات ، وترافقنا مع بعض الاصدقاء الى زيارات العلماء والدعاة والمساجد والمراكز في اوروبا، وأجملها رحلتنا إلى جنيف لزيارة الشيخ سعيد رمضان المصري زوجة إبنة حسن البنا رحمهما الله الذي كانت تربطني به علاقة قوية ، كان معنا في تلك الزيارة سيدي عمار رحمه الله الذي جاءني زائرا، وزوجتي أم عبدالله ، وعبدالله رضيعا، هناك تعرفنا على هاني رمضان ابن الشيخ سعيد، وعلى السفير مراد هوفمان الالماني المسلم، وفي تلك الزيارة كانت بعض اللطائف والفوائد لا يتسع المجال لذكرها ولا تتلاءم مع طبيعة الحدث … ورأيت يومها كيف ينقّي الله الأرواح حين يهيّئ لها مجالس النور.
ويوم رزقني الله بابني عبد الله، كان من أكثر الناس فرحًا به.
كان يأتي كل يوم تقريبًا، يحمله بين ذراعيه كأنه يحمل قطعةً من حياته الجديدة، حياة الإيمان والسكينة، وله معه صور هي الآن في الجزائر وأنا خارج أرض الوطن ...
لما أنهينا الدكتوراه عدنا إلى أرض الوطن إلى جزائرنا الحبيبة اواخر 1985… لنؤدي حقها علينا.
إلتحق هو بجامعة وهران، والتحقت بجامعة سطيف،
فزرته في وهران مرات، كما زارني إلى سطيف ثم العاصمة…
وكنت كلما التقيته، مثل كل أبناء الرحيل الاول من الصحوة، شعرت أن بيني وبينه من الأخوة ما هو أثبت من الزمن.
واليوم…
وأنا بعيد عن أرض الوطن…
جاءني الخبر الذي شقّ القلب شقًا:
رحل.
رحل عن دنيا كانت تحتاج أمثاله، رحل عن عمرٍ ناهز 68 عامًا، لكنه ترك وراءه علمًا نافعًا، وترك أربع بنات رباهن على الطهر والحياء والخلق.
يا صاحبي…
يا من كنت بلّورةً صقلتها يد الله…
يا من سرنا معا الى الله خطوة خطوة …
يا من تعلّمنا معا بأن القلوب بيد الرحمن يسيرها كيف يشاء… وهي تنتظر فقط لحظة نور.
نم الآن في رحمة الله…
نم كما ينام من أدى ما عليه…
نم كما ينام القلب الذي عاد إلى ربّه صادقًا، رقيقًا، مطمئنًا...
فقيدنا هو الاستاذ الدكتور :
أحمد بكة ...
اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وتقبل منه وادخله الجنة ونجه من النار اللهم احشره في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا به على خير ...
د. عبدالقادر سماري