الدكتورعبد القادر سماري

بالامس، الثلاثاء، بعد انتهاء مؤتمر القدس دعاني السيد الدكتور أحمد مطر رئيس ( المنظمة الدولية للتخطيط الاقتصادي لمكتبه للمشاركة في تحضير المؤتمر الثاني للمنظمة الذي سيعقد، إن شاء الله، في جنيف بسويسرا صيف العام القادم جوان 2026) بعد أن أنهينا العمل عزمني لأقيم في واحد من فنادق اسطنبول الفاخرة، فاعتذرت ، لأنني مدعو في مكان آخر ... خرجت من عنده لأحل ضيفا عند شابين جزائريين قدما إلى اسطنبول بتركيا للدراسة بعد أن تحصلا على شهادة البكالوريا، أحدهما من ولاية توقرت ( أنس ) جاء لدراسة التسيير والتجارة، والثاني من ولاية برح بوعريريج ( معاذ ) جاء لدراسة الصيدلة،

بالامس، الثلاثاء، بعد انتهاء مؤتمر القدس دعاني السيد الدكتور أحمد مطر رئيس ( المنظمة الدولية للتخطيط الاقتصادي لمكتبه للمشاركة في تحضير المؤتمر الثاني للمنظمة الذي سيعقد، إن شاء الله، في جنيف بسويسرا صيف العام القادم جوان 2026) بعد أن أنهينا العمل عزمني لأقيم في واحد من فنادق اسطنبول الفاخرة، فاعتذرت ، لأنني مدعو في مكان آخر ... خرجت من عنده لأحل ضيفا عند شابين جزائريين قدما إلى اسطنبول بتركيا للدراسة بعد أن تحصلا على شهادة البكالوريا، أحدهما من ولاية توقرت ( أنس ) جاء لدراسة التسيير والتجارة، والثاني من ولاية برح بوعريريج ( معاذ ) جاء لدراسة الصيدلة،
كان معي مرافقي الاستاذ :
طاهر حسن من مليانة،
جلست معهما، في شقتها المتواضعة كواحد منهما رغم فارق السن الذي يقارب الخمسين عاما،
بعد التحية والسلام، والتعارف والاطمئنان. حان وقت انطلاق مقابلة كرة القدم بين:
الجزائر والعراق،
تابعناها معا،
فرحنا بهدفي الفريق الوطني ومروره الى الدور الربع النهائي مع اعتلائه المرتبة الأولى في فوجه آملين أن يفوز بكأس العرب ... وتمنينا للفريق العراقي حظا سعيدا في ما بقي له من مشوار ...
كانا، حفظهما الله، في منتهى الأدب واللباقة وحسن الضيافة، دعوت الله لهما أن يكونا ذخرا وفخرا لوالديها وجميع أهلهما وللجزائر والاسلام ... ثم جلست أحدثهما عن أمرين أساسيين:
عن الصلاة وعن القرآن والحفاظ عليهما،
أسرار الصلاة
وكنوز القرآن
ولكن أن يحرصا على أن يتفوقا في دراستهما التي من أجلها رضي والداهما لهما بالبعد رغم حنان الأم وعطف الأب ... ثم تفرغا لمراجعة دروسهما ... أما أنا وصاحبي فكل واحد ذهبت إلى فراشه....
فلما خلوت بنفسي في فراشي، وقد هيئاه لي :
جلست أدعو لهما بالصلاح والنجاح، ولوالديهما بالصبر وحسن المتابعة ...
وأنا في تلك الحال قفز إلى ذهني ذاك اليوم ...
فجر الاربعاء بتاريخ 22 سبتمبر 1982 ... قبل 43 عاما
لم أنم تلك الليلة، بقيت مستيقظا ... لأنني في الصباح سوف اتجه الى الجزائر العاصمة ومنها سوف أغادر أرض الوطن بعد أن تحصلت على منحة دراسية لتحضير الدكتوراه في قرونوبل ... هذا اليوم أتذكره كثيرا دوما خلال مسيرة حياتي .. أتذكر دوما بفرحتي واستعدادي وشغفي ولهفتي ... ولكن الليلة تذكرته بصيغة أخرى ... تذكرته بنفسية أمي ( جميلة ) رحمها الله ونفسية أبي ( سيدي عمار رحمه الله ) ،
بالنسبة لأمي حبيبها ، بعض كبدها ، من كانت تأمل انسها به، من لم تشبع به إذ بدأ الابتعاد عنها طيلة دراسته الثانوية والجامعة فلا تراه إلا لماما، مرة في الاسبوع أو الاسبوعين وكانت تستقبله بكل الحنان حين يأتي من الداخلية ... أما اليوم بعد أن اشتد عوده وأملت في قربه سيسافر بعيدا بعيدا ... مثل (محاجية صغرونة ) سيكون بيننا ( سبع بحور وسبع جبال ) ... سأعد له بعض المقروط وشيء من المطلوع والتمر وأشياء أخرى... ماذا كنت تقولين وأنت في تلك الحال
الآن أعرف ماذا كنت تقولين :
كنت تقولين لن أبكي، لن يرى دمعتي حتى لا أكسر قلبه، لن أفسد عليه فرحته، لن أكون عائقا أمام مستقبله ... كنت تقولين هذا صح؟ ولم تتركي الدمع ينهمر ... ما أصعب الحال حين يعتصر القلب أسى، فيندخل العقل، ويتصارع العقل مع القلب، فتنحبس الدموع ... وما أصعب الدمع حين يحبس.
.. هذا أنتِ يا جميلة ... ولكن ماذا فعلت بعد أن شيعتيني عند الباب، وأنا أغيب عن ناظريك، ودخلت البيت وقد قارب وقت صلاة الفجر ...
أما أنت، يا سيدي عمار رحمك الله، فلم يكن حالك بأقل من حال جميلة رحمها الله، لأن عندك أمور أخرى، في قلبك وعقلك ووجدانك، أنت تتذكر عمك الذي طاردته فرنسا حين دخلت حتى خرج من الجزائر إلى فرنسا ولم يرجع وبقي ذاك الجرح عندك وعند أبيك الحاج الضيف رحمه الله، وعندك قصة أخرى في أعماقك مع فرنسا التي عذبتك وطاردتك وانت في عز الشباب أثناء ثورة التحرير، وقصة ثالثة لقد قتلت أخاك الاصغر سي لخضر الذي كان يمينك وعضدك فارتقى شهيدا ولما يتجاوز العشرين ربيعا، فهل تستأمن فرنسا على فلذة كبدك وها انت ترافقه ليذهب إليها ... أكيد لقد قلت : هل في فرنسا الامان ... ولكن ما الحيلة إذا كانت الجزائر تحتاج علمه ومعرفته، وانا دوما أحثه على العلم، فلا عز للإسلام الذي نذرته له ولا عز للجزائر التي ربيته من أجلها الا بالعلم ... فليغامر واغامر معه في طلب العلم والله خير حفظا، والله خير حافظا ... ثم وأنت يا سبدي ترافقه من البيت الى المسجد العتيق مسيرة ثلاث كيلومترات مشيا على الاقدام، ماذا كنت تقول في قرارة نفسك ...
نعم كنت أسمع تسبيحاتك وتحميداتك وتهليلاتك وتكبيراتك ...
كما كنت أصغي إليك حين كنت بين الفينة والأخرى تذكرني بآية أو حديث، واتذكر لما مررنا قرب أحدهم، ألقينا عليه السلام، فنظر إلينا فقلت لي :
إقرأ المعوذتين،
ثم دخلنا المسجد العتيق، ذهبت أنت إلى حيث الكبار في الصف الاول، وذهبت أنا الى الجناح الثاني، في ذاك الزمان كان المسجد العتيق مقسم إلى ثلاثة أقسام، قسم المقدمة مخصص للقراء حفاظ القرآن لا يدخله غيرهم الا إذا بقي مكان ، والذي بعده للذين يلونهم. والثالث للأطفال إذا حضروا الصلاة ... ذاك اليوم لم يكن عدد المصلين كثير فبعد الاقامة دخلت أنا الى القسم الاول مع الكبار ، كان الإمام سيدي أحمد بلحاج الصالح رحمه الله، والمؤذن الذي أقام الصلاة سي الرزق رحمه الله، وأنت كنت على يمين سي الرزقي ... وإني الان اسمح لنفسي أن اتخيلك في صلاتك، في قيامك وركوعك وسجودك، ربما ناجيت ربك أن يحفظ هذا الشاب الذي يغادر أهله وأرضه ووطنه إلى أرض قوم كانوا بلاء وفتنة لأهله ووطنه فكم قتلوا وكم شردوا وكم أحرقوا فهل يرجع من عندهم سالما،
ربما تساءلت مع نفسك : هل بعد أن كبر واستوى على سوقه وانا وامه وإخوته في أشد الحاجة له أتركه ليذهب للمجهول ...
ثم بعد السلام حين رفعنا أيدينا ؟للدعاء ... ماذا كنت تدعي ؟ ولمن وهل سقطت دمعاتك على خدك ...
وحين خرجنا من المسجد وقد أحاط بي بعض أصدقائي الذين جاؤوا لتوديعي : الرازي بودينار، لحسن حلقوم، علي شناح، حويشي اليمين، جمال عبدي، لحسن ابراهيم، بوغازي عبدالرزاق رحمه الله، ناجي بن حمادي رحمه الله، رابح شميل ... سلموا عليك وبعضهم قبّل رأسك ... في تلك الأثناء وقي ذلك المشهد، مشهد توادع الاصدقاء والخلان، كنت تتابعنا بنظراتك دون انخراط في حواراتنا ... ولكن مشهد بقي عالقا في ذهني لا ولن ينمحي ...
لقد رأيت ضحكتك وانت تنظر الى الاخ الصالح بن عمارة حفظه الله حين جاء يودعني وقد هممت أن اركب السيارة فقال لي :
(( يا سي جمال اعلم بأن شياطين الجزائر قد اتصلوا بشياطين فرنسا واخبروهم بأن هناك شاب جزائري لم نتمكن منه وهو قادم إليكم فعليكم به )) ... ضحك الجمع، أما انت فلقد ابتسمت ابتسامة استحضر ملامحها وأصدقك القول أنني الان فقط فهمت معاني تلك الابتسامة وتلك النظرات، لم تعلق إلا انك أخرجت ذاك المصحف الأخضر من جيبك ومددته لي وقلت : ((خذ هذا المصحف احفظه يحفظك))
قبلت رأسك ويديك وجبينك ... وتوادعنا ، وانطلقت السيارة ... وتواربنا عن بعضنا ... ترى إلى أين ذهبت بعد ذلك ؟
هل رجعت الى المسجد العتيق لتكمل معهم الحزبين كعادتك ... أم رجعت إلى البيت لتواسي أمي وإخوتي ... أم أنك ذهبت الى السوق ( الاربعاء سوق رأس الوادي ) لتشتري بعض الامور مثل كل أربعاء وتذهب عند أمك ( جدة مسعودة الحناشية ) رحمها الله التي كنت تواسيها وهي تبكي ابنها الشهيد سي لخضر رحمه الله، لأنك الان عرفت غياب الكبد ... وفي كل الحالات ماذا كنت تقول بينك وبين ربك، بينك وبين نفسك ...
أم أنك اشتركت مع أمي في الدعاء ...
أي دعوة دعوتماها وأي تضرع وابتهال ومناجاة في صلاتكما، في القيام والركوع والسجود ... أكيد وصلت تلك الدعوات الى سدرة المنتهى وتجاوزتها الى العرش ... لقد لحقتني كل تلك الدعوات بل كانت تطاردني في كل مكان، في حلي وترحالي، في الاقامة، وفي المختبر، وفي شوارع قرونوبل، وفي اسوقها ومحلاتها ... فوالله الذي لا إله غيره طيلة السنوات التي قضيتها هناك ما عاقرت خمرا وكم حاولوا معي، ولا لامست امرأة وكنت مرغوبا مطلوبا، ولا تركت فرضا، ولا آذيت أحدا، ... ف لكما مني الان وبعد الان. وفي كل آن، لكما مني أضعاف دعواتكما، مثل حبات الحصى وقطرات الندى وأوراق الشجر ونجوم السماء ...
ذاك الاربعاء لم أر دموعكما،
كنت قبلها أرى دموع أمي رحمها الله حين تتذكر أبيها (جدي الحاج المكي رحمه الله) أو امها (جدة حدة رحمها الله) أو أختي المغتربة. او أخي واختي اللذين فارقانا الى البرزخ ...
كما كنت أيضا من قبل أرى دمعات سيدي عمار رحمه الله حين يقوم من الليل يصلي أو حين يتذكر أباه ( جدي الحاح الضيف رحمه الله ) أو حين يحدثنا عن بعض ذكرياته ... أما يوم الأربعاء فكان وقورا شامخا، صامتا هكذا رأيته ذاك اليوم، أما الآن فأظن واعتقد جازما انه كان يغالب دمعاته ...
ما أصعب حال الاتسان وهو يغالب دمعاته إما قهرا أو اعتزازا أو تصابرا...
أكيد حالهما لا يخفى على بارئهما ...
سامحيني يا أمي، سامحيني يا جميلة الجميلة بنت المكي كما كان يحلو لي أن اناديك فتبتسمين ...
سامحني يا سبدي عمار سامحاني إن كنت تسببت لكما في بعض الألم أو كثيره ... آه لو يرجع يوم ذاك الاربعاء ... أقبِّل أياديكما ورأسيكما وأرجلكما ليس كما قبلتهم ذاك الاربعاء أو ما قبله ... ولكن ... تقبيلا من نوع آخر ... جاءتني هذه الذكريات فأطلقت لقلمي العنان أن يكتب ما جال في خاطري ... ثم قلت :
هكذا أراد الله ... فهو فعّال لما يريد ... ورحت أدعوه ... شكرا ل ( معاذ وأنس ) أن تركاني أعيش هذه اللحظات ... حفظهما الله وحفظ كل أبناء وبنات المومنين حيثما كانوا ...
معذرة على الإطالة ... لعل أنس ومعاذ ومن على شاكلتهما يستفيدوا من هذه الخربشات ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري