خاطرة، ورسالة لكل أمٍّ وأبٍ وإبنةٍ وإبنٍ، لعلها تفيد:
خاطرة، ورسالة لكل أمٍّ وأبٍ وإبنةٍ وإبنٍ، لعلها تفيد:
لما كنت شابا كنت أحاول أن أتفهم، والدتي، أمي جميلة رحمها الله، و والدي، سيدي عمار رحمه الله، لما يتحيرا أو يقلقا عندما تواجه أبناءهما أو أحفادهما منغصات الحياة، فلما صرت أباً وجدًّا أحسست بما كانا يعانيانه، رحمهما الله، وما كان يختلج في نفسيهما وقلبيهما ووجدانيهما، وكيف كانت صدورهما تغلي كغلي المرجل، وكثيرا ما اتذكر بعض ما عانيناه في حياتهما ، من مرض أو موت أو فاقة أو ظلم أو هجر أو برد أو جوع أو غياب أو أثناء بحثنا عن السكن أو قبل بداية العمل أو متاعب الزواج أو غيرها، أتذكر ذلك، واستحضر روحيهما، ثم أناجيهما وهما في البرزخ، عسى روحاهما أن تسمعا بعض مناجاتي وابتهالاتي إلى الله أن يجازيهما عنا، من أبناء وأحفاد، خير الجزاء وأن يكتب لهما بكل طرفة عين ودمعتها وبكل خفقة قلب واهتزازته وبكل شرود فكر وسَرَحَانه، وبكل لحظة تفكير وتدبير، وبكل صبرٍ عن طيشاننا، وبكل تَحَمُّلٍ لحماقاتنا، يجازيهما بذلك خير الجزاء...
أتدرون لما تأتيني الآن مشكلة ماذا أفعل،
بعد اللجوء إلى الله بالدعاء والصبر والتصبر، أتدرون ماذا أفعل ؟
أخاطبهما، كيف أفعل، ماذا كان بإمكانكما أن تفعلا، وسرعان ما أجد نفسي أردد كلاما أتخيلهما يجيبان به :
يا سي جمال، يا سي عبدالقادر، هوِّن عليك، كل شيء يفوت، لو تعرف الحقائق الغائبة عنك لَمَا أعطيت لهذه المشاكل والعوائق قيمة، ولَمَا حرقت أعصابك وفكرك من أجلها، كل ما أنتم فيه إنما هو لعبٌ ولَهْوٌ، ما تعيشونه في الدنيا قد مررنا به فَمَرَّ كل شيء ولم يبق إلا الصح، فقط احذر أن لا تتوب إن أخطأت أو أن تقع فيما لا يستتاب منه وما لا يمكن ترقيعه، يا ولدي خذ الامور ببساطة اجتهد في حل المشاكل وتجاوز الصعاب فكِّر وتَدَبَّر ولكن اعلم أن التدبير والقرار والاختيار منه سبحانه، رَوِّض نفسك على الرضا، ابحث للخلق عن أعذار، فإن الكريم طبعه يجد للناس الاعذار، ولا يؤاخذهم عن الهفوات ، ردد ما كنت تردد ونحن أحياء معك :
سلِّم أمورك لله تسلم واذرف دموعا وله تذلل.
ثم كأن هاتفا من أمي يهتف : تذكر ما كان يردد سيدك عمار من أقوال أبي العتاهية :
إن كان لا يغنيك ما يكفيك فكل ما في الارض لا يغنيك.
فإذا بسيدي عمار يعقب : هذا البيت كان آخر ما قلته لك يا سي جمال ونحن راجعين من قسنطينة.
تنزل هذه الكلمات بردا وسلاما على قلبي، ولكن لا أخفي عن أصدقائي في هذا الفضاء، أن قلب الأب ووجدانه قد يجد من يواسيه ويقلل من حيرته ولكنه سيبقى في اهتزازاته وخلجاته.
إن شاء الله تنفع هذه الخربشات أصدقاء هذه الصفحة.
د. عبدالقادر سماري