الدكتورعبد القادر سماري

العالم يتجه بسرعة غير مسبوقة نحو تحولات استراتيجية كبرى، قد يتغير معها وجه النظام الدولي ومؤسساته، بل وربما ملامح الجغرافيا السياسية ذاتها.

العالم يتجه بسرعة غير مسبوقة نحو تحولات استراتيجية كبرى، قد يتغير معها وجه النظام الدولي ومؤسساته، بل وربما ملامح الجغرافيا السياسية ذاتها.
وفي هذا السياق المتسارع، لم تعد سيادة الدول والشعوب تُحفظ بالحياد وحده ولا بالانزواء القطري، كما لم يعد الاصطفاف الأعمى خيارًا آمنًا، ولا المغامرة المتهورة سبيلًا للحفاظ على المصالح العليا. إن التجارب القريبة والبعيدة تُظهر بوضوح أن الطريق الأكثر واقعية يتمثل في بناء شبكات مصالح متوازنة ومتدرجة، تربط المصير بالمصير، دون ارتهان أو اندفاع.
لقد بات واضحًا أن أوروبا قد انكفأت على ذاتها، منشغلة بأزماتها الداخلية وتحولاتها البنيوية، الأمر الذي يجعل ربط المصير الاستراتيجي بها خيارًا غير مضمون العواقب.
كما أن الولايات المتحدة قد حسمت خياراتها الاستراتيجية، واختارت حليفًا واحدًا ( الكيان الصهيو ... ) تعتبره أولوية قصوى، وتُسخّر له أدواتها السياسية والعسكرية، فيما بات من الوهم الاعتقاد بأنها ستنخرط في حماية أطراف أخرى خارج هذا الإطار.
أما روسيا، فقد اتجهت بدورها إلى الانكفاء على أولوياتها الوجودية، وأثبتت الوقائع — كما في نماذج سوريا والعراق — أنها لا تخوض صراعات طويلة دفاعًا عن حلفاء، بل وفق حسابات مصلحية دقيقة ومحدودة.
في حين أن الصين، ورغم صعودها المتسارع، ينحصر همّها الأساسي في أن تصبح القوة الاقتصادية والأمنية الأولى عالميًا، دون استعداد للدخول في مواجهات مباشرة لحماية هذه الدولة أو تلك.
في ظل هذا المشهد، نجد أن بعض الدول قد ربطت مصيرها بخيارات خارجية ضيقة،
بينما توجد مجموعة من الدول تمتلك من النخب والكفاءات والموارد ما يؤهلها للتفكير بموضوعية واستشراف بعيد المدى، من أجل الخروج الآمن من هذا الوضع الدولي المضطرب.
ومن بين هذه الدول — على سبيل المثال لا الحصر —:
الجزائر، نيجيريا، باكستان، تركيا، ماليزيا، السعودية، إندونيسيا، مصر ...
وذلك كلٌّ وفق مساره الخاص، ومصالحه الوطنية، وخصوصياته السياسية والاقتصادية.
في هذا الإطار، تبرز مسؤولية تاريخية على نخب هذه الدول وكفاءاتها، قوامها التواصل، وتبادل الرؤى، والعمل على التحول — تدريجيًا — إلى منصات تنسيق عقلاني، تتقاطع عند إدراك التحديات المستقبلية المشتركة، لا سيما تلك التي تفرضها قوى إمبريالية جديدة تستهدف، بأشكال مختلفة، السيادة، والأمن العام، والتنمية، والأمن الطاقوي، والأمن الغذائي، والاستقرار المجتمعي، الهويات المحلية.... وغيرها.
ولا ينبغي أن يكون هذا المسار قائمًا على شعارات جوفاء، أو اصطفافات حادة، أو خصومات وولاءات مسبقة، بل على الواقعية، والهدوء، وحساب المصالح المتبادلة.
فالمطلوب ليس تحالفًا سياسيًا أو تنظيميًا، وإنما:
تعاون استراتيجي وتقني
شراكات اقتصادية وفنية
مبادرات محددة وصغيرة تنجح، وتُبنى عليها الثقة تدريجيًا
إن شعوب هذه الدول تمتلك — في الغالب — مقومات حضارية، وديمغرافية، واقتصادية، ستدفعها إلى التلاقي والتقارب، عاجلًا أو آجلًا، وهما تباعدت، بحكم الضرورة التاريخية والتحديات المستقبلية قبل أي اعتبار آخر...والجزائر يمكن أن يكون لها دور في ذلك ...
غير أن هذا المسار الاستراتيجي لا يمكن أن ينجح دون إجراءات داخلية عاجلة داخل كل دولة، تشمل:
تعزيز الحوكمة والكفاءة المؤسسية
الاستثمار في المعرفة والبحث والتخطيط الاستراتيجي
تمكين النخب والخبرات من المساهمة في صنع القرار
والانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق المبادرة المدروسة
فما يُبنى اليوم بعقل بارد ورؤية بعيدة، واستشراف مستقبلي عقلاني،
قد يكون هو الضامن الحقيقي لأمن واستقرار وتنمية الأجيال القادمة،
في عالم لم يعد يرحم المترددين، ولا يحمي الغافلين ...
د. عبدالقادر سماري