الدكتورعبد القادر سماري

استكمالًا لمنشور الأمس… يبقى السؤال الجوهري: من أين وكيف نبدأ؟

استكمالًا لمنشور الأمس… يبقى السؤال الجوهري: من أين وكيف نبدأ؟
إذا كان العالم يتجه نحو إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة، وإذا كانت شبكات المصالح هي البديل الواقعي عن الحياد والانسحاب السلبي والاصطفاف الأعمى، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في صحة هذا التشخيص، بل في قدرة كل دولة بجميع مكوناتها على ترجمة الوعي إلى سياسات، والأفكار إلى مسارات عملية.
وفي هذا الإطار، لا يبدو الرهان على الاتفاقات الكبرى أو التحالفات المعلنة هو المدخل الأنسب، بل إن التجارب الدولية تُظهر أن المسارات الهادئة، التراكمية، وغير الاستعراضية هي الأكثر قابلية للاستمرار. فالتنسيق يبدأ غالبًا من الاستغلال الامثل للقدرات البشرية والمادية.
ولقد سارعت بعض الدول التي ذكرناها في منشور الأمس الى ذلك،
ولنأتي إلى بلدنا الحبيب الجزائر
فمن بين عناصر القوة التي تمتلكها الجزائر، وغالبًا ما لا يُستثمر فيها بالقدر الكافي، هو وجود
قوة بشرية داخلية معتبرة من الرجال والنساء في مجالات العلم، والتقنية، والفن، والأدب، والفكر، والتكنولوجيا، والدبلوماسية، راكموا خبرات واسعة، ونسجوا علاقات إقليمية ودولية، ويملكون القدرة على المسعى الاستراتيجي بعقلانية وكفاءة، إذا ما أُتيح لهم الفضاء المؤسسي المناسب للمبادرة والتأثير. وكذلك وجود جالية جزائرية واسعة الانتشار عبر مختلف دول العالم من المحيط الى المحيط ، تضم كفاءات علمية، وخبرات تقنية، ونخبًا اقتصادية، وثقافية، وأكاديمية، يمكن — إذا أُحسن تنظيمها وربطها برؤية وطنية واضحة — أن تتحول إلى رافعة حقيقية لكل انواع التنمية ، ونقل المعرفة، وبناء شبكات ثقة وعلاقات متعددة المستويات.
كما أن الجزائر تستند إلى تاريخ وطني ناصع، منحها مصداقية خاصة في قضايا التحرر والسيادة وعدم الصراع الاقليمي والدولي، فضلًا عن موقع جغرافي استراتيجي يجعلها صلة وصل طبيعية بين مختلف الفضاءات والساحات العالمية ....
وهذه العناصر لا تُستثمر بالقوة، بل بالحكمة والتدرّج وحسن التقدير.
وعليه، فإن الدور المنتظر من النخب والكفاءات — داخل الوطن وخارجه — لا يتمثل في إنتاج خطابات كبرى، بل في بلورة رؤى واقعية قابلة للتنفيذ في ظل تساؤلات مفصلية :
كيف يمكن استرجاع الثقة بين مختلف مكونات المجتمع الجزائري ؟
كيف ندفع بالجميع للمشاركة في مسارات التنمية ؟
كيف يمكن تعزيز الأمن الغذائي والامن المجتمعي محليًا وربطه إقليميًا؟
كيف ننتقل من التبعية التقنية إلى نقل المعرفة وبناء وتوظيف القدرات؟
وكيف تتحول الدبلوماسية من إدارة العلاقات إلى صناعة الفرص؟
إن الجزائر، بما تملكه من رصيد تاريخي، وموقع استراتيجي، وامتداد بشري واسع، وكفاءات نوعية، ليست مطالبة بان تقود تيار عالمي معين، ولا بالدخول في محاور تنافسية، بل أن تكون طرفًا مبادرًا، وجسرًا عقلانيًا، ومنصة تنسيق موثوقة. وهذا الدور لا يُمنح، بل يُبنى عبر سياسات هادئة، واختيارات دقيقة، واستثمار واعٍ في الإنسان والقدرات والمؤسسات.
ذلك ان المستقبل مثل التاريخ لا يُكتب دفعة واحدة، بل بعملية تراكمية تتناسق فيها الأجزاء المنتهية الصغر فتصنع مسارات كبرى.
وهنا تأتي مسؤولية المؤسسات الرسمية والهيئات الشعبية التي عليها أن تتناغم فيما بينها فتصيغ خيارات صغيرة ومتوسطة تتراكم لتعطي مسارا واضحا لغيايات كبرى ، ومن بينها الأحزاب التي عليها، في الوقت الراهن، ان تخرج من متاهات الثنائية التي أصبحت سمجة ( موالاة ومعارضة ) حيث فقدت كلاهما معاني كلماتها ومدلولات موقعها وموقفها، بل عليها أن تنخرط جميعا في بناء رؤى تستجيب للتحديات التي يفرضها عالم الشركات العابرة للقارات والقوى المتحكمة في المؤسسات العالمية ...
ومرة أخرى: هنا يكمن دور النخب والكفاءات حتى لا يذبل عطاؤها ولا تضمحل طاقاتها ...
فإن لم نفعل : فإن الدورة الزمنية والسيرورة التاريخية والسنن الالاهية لا تحابي أحد ... والله من وراء القصد
جمعة مباركة للجميع
مع الصلاة والسلام على النبي الشفيع .
.../... يتبع ان شاء الله
د. عبدالقادر سماري