الدكتورعبد القادر سماري

وأنا في قاعة الانتظار استعدادًا لركوب الطائرة، متجهين من الجزائر العاصمة إلى ورقلة، ومنها إلى توقرت بإذن الله، قفزت إلى ذهني أول رحلة قمتُ بها إلى توقرت، بل أولى الرحلات التي ربطتني بصحرائنا الشاسعة، ثم توالت بعدها الزيارات.

وأنا في قاعة الانتظار استعدادًا لركوب الطائرة، متجهين من الجزائر العاصمة إلى ورقلة، ومنها إلى توقرت بإذن الله، قفزت إلى ذهني أول رحلة قمتُ بها إلى توقرت، بل أولى الرحلات التي ربطتني بصحرائنا الشاسعة، ثم توالت بعدها الزيارات.
كانت تلك الرحلة قبل ثلاث وأربعين سنة، في صيف سنة 1983، حين دُعيت لحضور حفل زفاف الأخ والصديق، الأستاذ المربي والداعية محمد سعيد غيلاني حفظه الله، هذا الرجل الذي قضينا معا في مدينة قرونوبل سنوات طيبة كنا نرفل فيها من العلوم والمعارف المختلفة، ويشهد الله انه من بين الرجال الذين تركوا بصمتهم في حياتي، أذكر حادثين فقط، الحادث الاول ونحن طلبة قمنا بإنشاء صندوق تبرعات لإعانة الطلبة الذين ليس لديهم منحة، كنت أعلم ان الاخ محمد السعيد جاء طالبا لتحضير الدكتوراه دون أن تكون له منحة، بدأنا بجمع الاشتراكات من الطلبة الذين كانت لديهم منح،
ثم قسمناها ووضعنا كل مبلغ في ظرف لنسلمها للمعنيين، وكنت مكلفا بإعطاء الاخ محمد السعيد مظروفه، فلما كلمته ابتسم وقال لي : شكرا لكم، فهل تذكر أنك وجدت ظرفا تحت باب غرفتك فيه مبلغا ومكتوب عليه ( مساهمة بسيطة للطلبة المحتاجين )
قلت نعم فيه كذا،
قال: تلك مساهمتي، أما انا فالحمد لله شوفو من يحتاج...
أما. الحادث الثاني فكل الطلبة كنا نسكن في مكان واحد إلا الاخ محمد السعيد كان يسكن في منطقة إسمها ( لا باستي la bastille ) وهي بعيدة شيئا ما عنا، فقلت : له لماذا تسكن بعيد عنا ... لم يجبني فلما ألححت عليه قال لي: أردت أن أكون بعيدا حتى إذا اشتقت إليكم آت خصيصا من أجلكم ... وأحداث أخرى كلها ذات لمسات تربوية ...
المهم نرجع الى الرحلة، في تلك الصائفة جئت من فرنسا حيث كنت أدرس لقضاء العطلة الصيفية بالجزائر، ومن رأس الوادي كانت الرحلة ، ركبت الحافلة متجها إلى مدينة سطيف، ومنها واصلنا الطريق نحو توقرت، ، حقيقةً كانت رحلة شاقة بكل المقاييس؛لم يكن معي أي أحد من الاصدقاء، الحافلات آنذاك لم تكن في مستوى مريح، والطرق لم تكن معبَّدة ولا مهيَّأة كما هي عليه اليوم. انطلقنا فجرًا، ومررنا بعدة قرى ومدن، من بينها باتنة، وعين التوتة، فالقنطرة، ثم بسكرة، فالمغير، ثم جامعة وصلنا توقرت عصرا، كان الجو حارا .
قضينا هناك الليلة الاولى ممتعة مع إخواننا رغم التعب، لا أذكر اليوم إلا عددًا قليلاً جدًا ممن حضروا ذلك اللقاء، ولكن بقي في الذاكرة عبق أجواء تلك الليلة، من حسن لستقبال، وتنوع الحضور، وما دار فيها من أحاديث متنوعة وتعارف، خاصة عن مخلفات وارتدادات أحداث الجامعة المركزية التي كانت في أواخر 1982، ولم يكن قد مرّ عليها سوى بضعة اشهر، وما أعقبها من تطورات، ثم في الغد بدأ قدوم المعازيم الذي استمر لثلاثة أيام، ولما حان وقت العودة أكرمونا ب ( المنقر ) ... كان ذلك أول عهدي به، لم أكن أعرفه ، له طعم خاص...
كانت تلك الرحلة الأولى، وقد تركت في النفس أثرًا لا يُنسى.
أما الرحلة الثانية، أو زيارتي الثانية إلى توقرت، فكانت في خريف سنة 1995، بمناسبة الانتخابات الرئاسية. كنت آنذاك رئيسا للحملة الانتخابات للشيخ محفوظ نحناح، رحمه الله، فرافقناه مع مجموعة من الإخوة، ومما أذكره جيدًا، تلك الاعداد الهائلة التي لا يحصى عددها، ثم المسيرة الحاشدة في طرق المدينة وقد قارب وقت المغرب، بعدها قضينا ليلة ماتعة في بيت واسع سقطت فيه كل الالقاب، ونمنا في مكان كبير مشترك، في أجواء أخوية صادقة، يغلب عليها الشعور بالمسؤولية والهمّة العالية، رغم صعوبة المرحلة وحساسيتها، لن انسى السيد عبدالحميد إبن الشيخ الدردازي رحمه الله، كنت قد عرفت والده في مدينة سطيف لما كنت طالبا بجامعتها، لقد قضى معنا ليلة كاملة ...
اما الرحلة الثالثة فكانت مع الأخوين الحاج الطيب عزيز وفريد هباز حفظهما الله، كان ذلك في ربيع 1998، ذهبنا الى ولاية الوادي في مهمة دعوية وتنظيمية، حدثت فيها بعض اللطائف والملح لعل الحاج عزيز يتذكرها، ثم لما حان وقت الرجوع الى العاصمة أُخبرنا بأن الرحلة من الوادي الى العاصمة قد أجلت، فقام الإخوة بالحجز عن طريق مطار توقرت، فحزمنا أمتعتنا وانطلقنا نحو مدينة توقرت مع بعض الأحباب ، الطريق كان طويلا نوعا ما ولكن الرفقة الطيبة طوت الطريق طيا ، وهناك وجدنا أصدقاء آخرين ...
وهكذا، بين رحلة أولى شاقة في الثمانينيات، وزيارة ثانية مثقلة بالهمّ الوطني في أواسط التسعينيات ثم ثالثة اواخر التسعينات كرحلة إضطرارية، بقيت توقرت حاضرة في الذاكرة، لا كمدينة فحسب، بل كمحطة دعوية وتاريخية، تختزن ذكريات اللقاء، وحفاوة الاستقبال، ودفء الإخوة، وشراكة الاهتمام، خاصة ان بها الكثير من الاحباب والاصدقاء أخاف ان أذكر بعضهم وأنسى آخرين ... والآن انا أكمل هذا المنشور على متن الطائرة ... ولما تحط بنا بسلام إن شاء الله
اما سبب هذه الزيارة فهي دعوة كريمة من المكتب الولائي لتكون لنا جلسات مع المنتخبين المحليين حول موضوع ذي أهمية بالغة ألا وهو :
"" دور الجماعات المحلية في تعزيز التنمية المحلية "" ... والتي ستبدأ بإذن الله غدا السبت ... والآن لقد حطت بنا الطائرة وها هو المنشور جاهزا ... اللهم انزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ... والله من وراء القصد ...
د. عبدالقادر سماري