المنشور طويل ... توقرت تستاهل :
المنشور طويل ... توقرت تستاهل :
يوم أمس، السبت، كان حافلًا باللقاءات والجلسات والحوارات والزيارات بولاية تقرت، وبينما كنت أشارك في تلك الفعاليات، كنت أتابع أيضًا ما يحدث على مستويات مختلفة...
وحين خلوتُ بنفسي لأكتب منشورًا هذا اليوم، وجدتني في حيرة:
عن ماذا أكتب؟
هل أكتب عن الخزي والعار الذي لحق أمتنا بتشكيل ما سُمّي بالمجلس الرئاسي لتسيير شؤون غزة؟ عن الأشخاص الذين يشكلون هذا المجلس؟ عن أهدافه وخلفياته وآفاقه وآثاره؟
أم أكتب عن مستوى السَّفاهة الذي وصلنا إليه، والذي تجلّى حتى في ما يسمى بـ“السبيد المؤثر”، وكيف تفاعل معه بعض المثقفون والباحثون والشباب؟ وكأنه هو ملجؤنا ...
أم أكتب عن تفاعلات المواطنين مع قرارات الحكومة في كثير من القضايا، أو عن ردود أفعال الشباب تجاه الأحزاب والجمعيات والمؤسسات الرسمية والشعبية على السواء، وكيف فقد كثير منهم الثقة في كل شيء؟
ثم قررت أن أكتب عن توقرت، عن هذه الصور الرائعة التي رأيتها في هذه الولاية الناشئة، ، وهي صور لا تخلو منها ولاية من ولايات هذا الوطن؛ صور اللقاءات، والحوارات، والعمل الميداني، التي – وإن بدت بسيطة في ظاهرها – فإنني على يقين بأنها ستؤتي أكلها، وسنرى ثمارها عاجلًا أو آجلًا.
لذلك قررت أن أكتب عن هذا اليوم الذي قضيناه في توقرت؛ لأن لأهلها حقًا علينا، ولأن ما قمنا به يدخل في باب تثمين العمل مهما بدا صغيرًا في هذا البحر المتلاطم من التحديات.
بداية الرحلة
بمجرد وصولنا أول أمس الجمعة، كان في استقبالنا بمطار ورقلة مجموعة من الإخوة الكرام: الأساتذة : أحمد، العيد، حسن، . وانطلقنا من ورقلة نحو توقرت في استقبال طيب أعاد إلى الذاكرة لقاءات سابقة ووجوهًا مألوفة.
تحركنا بفضل الله عز وجل في ساعة متأخرة من الليل، وكان الطريق رائعًا، طريقًا مزدوجًا بطول يقارب 160 كلم، قطعناه في أقل من ساعتين، في أجواء من التعارف والتواصل، حيث اطّلعنا على برنامج الغد إلى أن وصلنا إلى الفندق، فكانت استراحة قصيرة، ثم التحق بنا النائبان السابقان الاستاذين لطفي خير الله، وبلقاسم زروقي، فكانت جلسة ودّية استرجعنا فيها بعض الذكريات، ثم خلدنا للراحة استعدادًا ليوم حافل.
نشاط يوم السبت
كان يوم السبت مكثفًا بالنشاطات، سمع بوجودنا في توقرت بعض الاحباب والاصدقاء ففاجؤونا باستقبال حارة من بينهم الاخ الصديق سعيد بن حميدة الذي جمعتنا به قبل سنوات لقاءات وفعاليات فلم نلتق منذ أكثر من 20 سنة ، ثم انطلقنا في الأشغال حيث بدأناها بلقاء مميز حضره عدد كبير من النساء والشباب والشيوخ، في القاعة الكبرى لبلدية تبسبست، البلدية المحاذية لبلدية تقرت.
كان اللقاء تفاعليًا علميًا حول التنمية المحلية والتنمية الشاملة ودور الجماعات المحلية، افتتحه السيد رئيس المكتب الولائي حسان بوخفص بكلمة ترحيبية، ثم أشرف على تسيير الجلسات العملية الدكتور طه بلحبيب، حيث قدم نظرة حول طبيعة اللقاء، وبعده قدّم الأستاذ العيد زكور، مداخلة أولى، تناول فيها نظرة واقعية عن ولاية تقرت الناشئة: طاقاتها، مساحتها، فرص التنمية فيها، عدد سكانها وبلدياتها، الولايات المجاورة لها، المبشرات التي تبشر بتنمية واعدة، وكذلك المعيقات التي تعترض العمل التنموي.
أما الأستاذ عبادة، أستاذ علم الاجتماع وطالب الدكتوراه بجامعة برج بوعريريج، فقد تناول المدخل الاجتماعي للتنمية، مؤكدًا أن الإنسان هو محور كل عملية تنموية، وأن البعد الاجتماعي له تأثير حاسم في نجاح أو فشل أي مشروع تنموي.
أما مداخلتي فكانت حول:
مفهوم التنمية الشاملة
الاستشراف المستقبلي للتنمية في ضوء التحولات المجتمعية
ربط التنمية بالسياسة الشرعية التي تهدف إلى حفظ الكليات الخمس، مع التأكيد على الكلية السادسة: الحريات وحقوق الإنسان
الانتقال من الضروريات إلى الحاجيات ثم الكماليات، وهو منطق مشروعنا الحركي والفكري
كما تطرقنا إلى الفرص المتاحة، وضرورة أن تُبنى هذه الولاية الناشئة على تخطيط موضوعي واستشراف مستقبلي سليم، وأن يكون التخطيط أساس كل البرامج.
التنسيق والتعاون
أكدنا على أهمية:
التواصل بين سكان الولاية أنفسهم
التنسيق بين الجمعيات الشبابية، الثقافية، الخيرية
التعاون بين الأحزاب السياسية، بعيدًا عن التنافس السلبي، لأن التنمية في جوهرها خدمة للمواطن، وحفظ كرامته ودينه ونفسه وماله ونسله وصحته
كما شددنا على ضرورة التعاون مع الإدارات العمومية، مع وعي بأن وجود المسؤولين ظرفي، فلا تُفرض برامج لا تستجيب لحاجات الولاية، ولا تُرهن بمصالح ضيقة.
الزيارات الميدانية
بعد اللقاء، كانت لنا زيارة مباركة إلى الزاوية التجانية بتماسين، هذه المؤسسة العريقة التي قدم لنا أحد رجالها السيد محمد الأمين نظرات عن تاريخها، وأدوارها خلال مختلف حقبات التاريخ منذ تأسيسها على يد التمام سيدي علي التماسيني ، ورموزها العلمية والدعوية، وانتقالها من الدور التقليدي إلى أدوار عصرية تستجيب لحاجات الشباب.
اطلعنا على:
مكتبة تضم أكثر من 36 ألف كتاب، 19 ألف عنوان،
مدرسة قرآنية بها قرابة 500 طالب وطالبة
أدوار اجتماعية وعلمية وإشعاعية واسعة
ختمنا زيارة الزاوية بدعوات ابتهالات الى الله أن يصلح احوالنا ويرحم أمواتنا ويشفي مرضانا ..
ثم كانت لنا جلسة أخوية حميمة مع أخينا المربي محمد سعيد بوبكر، الرجل الهادئ المحتسب، الذي ترك بصمته في العمل الدعوي والسياسي والتربوي، استقبلنا في بيته العامرة، فكانت جلسة غنية بالحديث عن الماضي والحاضر واستشراف المستقبل، بحضور عدد من الاساتذة ورؤساء البلديات.
كما حضرنا زفاف ابن أخينا الأستاذ عبد الوهاب بن جلول، وكانت فرصة للقاء وجوه عزيزة واستعادة ذكريات جميلة.
أما عن توقرت… التاريخ والحضارة
زرنا آثار ومعالم مملكة بني جلاب وقصر مستوى، تلك المملكة التي استمرت قرابة أربعة قرون، قبل أن تسقط سنة 1871 على يد الظالمين والبغاة الاحتلال الفرنسي الذي حاول ان يطمس كل معالم حضارتنا وأصولنا حيثما وطأت قدماه. ووقفنا على آثار الحضارات الإسلامية المتعاقبة، ، كما زرنا المسجد العتيق هذا المعلم المصنف عالميا من التراث الانساني ، والذي يحمل في ثناياه تاريخ ومآثر، وزيارات كبار العلماء وخرج منه العديد من العلماء والقراء، ولقد زاره الإمام عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي، كما حضي بزيارة القارئ محمد صديق المنشاوي مباشرة بعد الاستقلال سنة 1962 .
ثم كانت لنا جلسة ختامية عامرة بالنقاشات مع ثلة من أعيان ورجال الولاية، حول الشباب ... ولاية توقرت ولاية ناشئة ولكنها واعدة بكل المقاييس ... و الان الطائرة تستعد للاقلاع من مطار توقرت نحو الجزائر العاصمة ... سائلين الله عز وجل:
أن يحيي هذه الأمة
وأن يهيئ لها أمر رشد
وأن يبعث في قلوب المسؤولين – الرسميين وغير رسميين – الغيرة على هذا الوطن وأن يلهم الجميع السداد والرشاد
... والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري











