الدكتورعبد القادر سماري

إلى أصدقاء هذا الفضاء :

إلى أصدقاء هذا الفضاء :
المنشور طويل ... إن لم تجدوا الوقت لقراءة كل هذا المنشور ... اقرؤوا المحطة الأخيرة واعقدوا النية على الخير وانتم كلكم خير ...
ونستكمل معًا رحلتنا في نهاية الأسبوع الماضي ...
انتهت أشغال المكتب الوطني لجمعية الارشاد والاصلاح ... حان الوقت للخروج من ( أولاد تبان) ، ولكن لا يمكن ان نخرج قبل ان نزور
الإنجاز الفريد من نوعه الذي قام به الاستاذ ( لخضر صبحي رحمه الله ) إنه ( المتحف الشخصي ) فيه صور قديمة جدا، وشهادات، وفيه أصغر مصحف على وجه الارض ( 1,5 سنتيمتر ) له قصة عجيبة لا يكفي هذا المنشور روايتها، وفيه أشياء وأدوات من التراث الوطني ... قدم لنا القائم عليه الدكتور صبحي شذرات تعريفية من هذا المتحف... تمنيت لو ان الدولة تكفلت به ... ثم خرجنا من اولاد تبان
لنتوقف في عدة محطات، قد لا يسع هذا الفضاء للحديث عنها جميعًا، خاصة وأن المحطة الأخيرة كانت الأهم.
فبعد أن عبرنا الجبال الفاصلة بين أولاد تبان وأولاد إبراهيم في تلك المناظر الخلابة، قصدنا بيت الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله، ذلك البيت المتواضع، المبني بالطوب العربي، والواقع في سفح جبل، أماكن جرداء، وجبال قاحلة، يطل عليها من فوق ضريح سيدي عبدالله ... قبل سنوات زارنا الشيخ (علي جريشة ) رحمه الله، لما وصلنا الى بيت الشيخ البشير،
قال لي : يا سبحان الله، في هذا المكان
نبت ذاك الرجل العظيم، ليكون منارةً ونورًا يُهتدى به في العلم والأدب والبيان والبلاغة.
وقفنا مليًا، واستحضرنا العِبر، ثم واصلنا رحلتنا لنخرج من أولاد إبراهم متجهين. نحو رأس الوادي.
قضدنا مباشرة المسجد العتيق حيث زاوية الشيخ بلعيساوي، تلك الزاوية التي تأسست سنة 1926. وقد شارك في أول جمعة، كلٌّ من الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ عبد الرحمن بن بيبي، وجدي الحاج الضيف سماري وجمع من أهل الفضل والسبق رحمهم الله جميعًا. نذكرهم ونستحضر سِيَر الرجال الذين عاشوا في ذلك الزمن، وفي تلك الظروف الصعبة.
بعد ذلك، كانت إحدى قريباتي بالمستشفى، فأدّينا واجب زيارة المريض،
وبعدها كانت لنا زيارة لشقيقي الأكبر الحاج الميلود سماري، قمت بواجب التعارف بينه وبين زملائي، حاول ان يستضيفنا ولكن أمامنا مواعيد وترتيبات ...
ومنها انطلقنا إلى قصر الأبطال، والمسافة بضع وعشرون كيلومترًا. توقفنا في بعض الزيارات هناك، وخاصة تلك الزيارة التي أثلجت صدور رفاقي، وهي زيارة عمي، شقيق أبي، عمي السعيد، الذي تجاوز التسعين سنة، جلس يحكي لهم كيف كان يحفر القازمات والأنفاق والمطامير، وكيف كان النضال في مواجهة الاحتلال الفرنسي. ثم زرنا بيت جدي القديم، الذي لا يزال على حاله كما كان قبل أكثر من مئة سنة، والذي كانت به زاوية عامرة لتحفيظ القرآن تخرج منها العشرات من حفظة كتاب الله ...
ثم كانت لنا محطة أخرى في قصر الأبطال، وهي المحطة الأكثر تأثيرًا، محطة المعتقل (معتقل قصر الطير )، ذلك المعتقل الذي كان من يدخله لا أنل له في الخروج، وحتى إذا خرج، خرج معوقًا. فقد كانت تُمارَس في حق المعتقلين، آنذاك، كل أنواع العذاب، وكل أصناف القهر.
رأينا الزنازين، حيث لم تكن الزنزانة الواحدة تتجاوز مترين على متر ، وكان يُحشر فيها ما بين 20 فردًا، ينامون وقوفًا، ويقضون حاجتهم في أسوأ الظروف. وكان مكتوبًا على باب المعتقل: ( أصحاب القلوب الضعيفة لا يمكنهم النظر إلى الصور).
صور مرعبة، فرنسا تتلذذ بأخذها وتوثيقها وهم يُعذَّبون.
رأينا تلك الصور، ورأينا صورة تلك المجاهدة التي جاؤوا بها من تبسة، وصورًا فظيعة لكيفية تعذيب الأبطال. معتقلاتٌ ربما أخذ منها الصهاينة اليوم دروسًا في أساليب التعذيب والتنكيل، وكيف يصل الإنسان إلى أبشع ما يمكن أن يقوم به ابن آدم.
ثم اطّلعنا على المعرض والملصقات الموجودة هناك: تاريخ المنطقة، تاريخ الثورة، تاريخ الجزائر، وتاريخ أبناء الجزائر ... كانت وقفة جد معبرة ...
بعدها توجهنا إلى المكان الأخير، وهو محل الشاهد في هذه الزيارة...
هذا المكان الذي كان، إلى أسابيع قليلة فقط، عبارة عن مخمرة وملهى، ومأوى لكل أنواع الموبقات والانحراف، بؤرة فساد باتم معنى الكلمة. لا يبعد عن الطريق الرئيسية الرابطة بين (عين ولمان وقصر الأبطال) ب (سطيف) سوى مئتي متر الطريق الوطني رقم 28...
وصلنا إلى ذلك المكان، فوجدنا عددًا كبيرًا من أبناء المنطقة: أطفالًا، وغلمانًا، وشبابًا، وكهولا وشيوخا قد جاؤوا يشهدون الحدث ...
(( المخمرة الملهى يتحول الى مركز حفظ القرآن ))
وقصته قصة عجيبة، يد الله تتدخل ولا عجب في امر الله ...
كان الملأ يدخلون هذا المكان ب ثلاثين مليونًا لليلة الواحدة، ليعاقروا الخمر ويقترفوا المنكرات ...
أهل المنطقة ناشدوا المسؤولين لغلقه وحاولوا بجميع الصيغ فلم يستجيبوا لهم، حتى أن بعض القريبين من هذا المكان باعوا ممتلكاتهم ورحلوا ، وبعض شباب المنطقة قاموا بعدة محاولات لتغيير هذا المنكر فلم يستطيعوا…
كان الله يدبر الأمر... إحدى السيدات( بنت عمي الخثير قراب رحمه الله ) والتي لنا معها قصة طريفة في فتح اول مقر لجمعية الارشاد والإصلاح في ( عين ولمان ) بداية التسعينات وفي ظروف صعبة قد نأتي على ذكرها في منشور لاحق ... سمعت السيدة بأن صاحب المحل يريد بيعه ... تتصل بالاستاذ ( فؤاد ) تخبره بالامر ... لينتقل هو مع عمي صالح والاستاذ محفوظ إلى ( مالبو - بجاية) لملاقاة صاحب المحل ... كانت النية فقط للاستفسار ... ولكن الله كان يدبر الأمر...
قال لهم : نعم أريد بيعه
قالوا : نريد شراءه
قال : وماذا تفعلون فيه
قالوا : مدرسة قرآنية
قال بانبهار وتعجب : يعني زاوية، أهذا المكان يصبح زاوية للقرآن ...
وفي أقل من ربع ساعة يتصل بشريكه وتتم الموافقة والصفقة ،
ولكن ... بكم ؟
قال : بثمنه الأصلي وانا أيضا أشارك معكم ...
ولكن الثمن كبير جدا وغير موجود منه ولا دينار ...
أقترح عليهم ان يكريه لهم بثمن رمزي مدة عشر سنوات حتى يرتبوا أمورهم ... ثم اتفقوا على خمس سنوات
وبدأت الإجراءات والاكتتاب ...
بعض الناس .. هداهم الله ... اتصلوا بصاحب المحل ليتراجع على هذه الصفقة ويزيدون له في السعر ... ولكن الرجل حسم أمره ... جاءته الجنة والفضيلة والخير دون سابق إنذار، ودون ترتيب ...
قال لهم : لو أعطيتموني مال الدنيا كلها لن أتراجع ...
لقد تم الاتفاق مع ( جمعية الارشاد والإصلاح ) ليكون باسمها مدرسة قرآنية ومركز للراحة للأيتام ...
وبدأت الترتيبات لهذا اللقاء لهذا اليوم المشهود ...
يوم السبت الماضي 05 شعبان 1447 الموافق 24 جانفي 2026،
قرأنا فيه الحزب الاول من فاتحة الكتاب وآيات من البقرة ... مع براعم مؤمنة وشيوخ أفاضل
ثم قرأنا سورا من الحزب الاخير من : القارعة الى الناس ...
لقد حضر اللقاء جمع كبير من الرجال والنساء من مختلف شرائح المجتمع،
وحضر صاحب المحل، وحضر أيضا المكتب الوطني والمكتب الولائي للجمعية ...
ثم كانت عملية التبرعات... لقد أبلى الحضور بلاء حسنا، كل حسب طاقته وجهده وما آتاه الله ... مبلغ محترم ولكن ما زال لم يبلغ ثمن الشراء والترميمات والاعداد ...
ثم كانت المفاجأة : السيدة ( بنت عمي الخثير) تتبرع ب ( عمرة ) لصاحب المحل ...
ثم مفاجأة أخرى ؛ ( جمعية الارشاد والاصلاح ) تتبرع ب ( عمرة ) لزوجة صاحب المحل ...
أي خير هذا ... كيف يسوق الله التوبة والهداية ... قلت لأحد جلسائي: أكيد صاحب المحل أو زوجته أو كلاهما كان أبوهما أو أحد أجدادهما صالحا ... شيء خارج الترتيبات البشرية ... يمكن لأصدقاء هذا الفضاء، بل اناشدهم، ان يتواصلوا مع جمعية الارشاد والاصلاح سواء المكتب الوطني أو المكتب الولائي سطيف ويزوروا المكان ... ويقدموا إسهاماتهم ولو دينارا رمزيا ... أقول ولو واحد دينار ... خاصة ونحن في شعبان ومقبلون على رمضان ،،،
اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان وتقبل منا .... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري