الدكتورعبد القادر سماري

كنتُ قد أعددتُ منشورًا مطوّلًا حول رحلتنا إلى ولاية سطيف، وبالضبط إلى أولاد تبان وقصر الأبطال، وخاصة نهاية الرحلة التي تتعلّق بالحدث العظيم،وذلك بتغيير وظيفة المبنى أو الفيلا التي كانت ملهىً ومخمرة، وحوّلتها جميعة الإرشاد والإصلاح إلى مدرسة قرآنية ومكانٍ لاستراحة الأيتام ...

كنتُ قد أعددتُ منشورًا مطوّلًا حول رحلتنا إلى ولاية سطيف، وبالضبط إلى أولاد تبان وقصر الأبطال، وخاصة نهاية الرحلة التي تتعلّق بالحدث العظيم،وذلك بتغيير وظيفة المبنى أو الفيلا التي كانت ملهىً ومخمرة، وحوّلتها جميعة الإرشاد والإصلاح إلى مدرسة قرآنية ومكانٍ لاستراحة الأيتام ...
غير أنّني أجّلتُ هذا الموضوع، بحكم أنّ القاعدة تقول:
لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة،
والحاجة الآن هي هذا الرجل الذي في الصورة، والذي يرقد اليوم طريح الفراش بعد إجرائه عملية قسطرة على القلب، وهو الآن – إن شاء الله – في طريقه إلى التعافي ..
لما وصلت إلى العاصمة من سفري، وبلغني خبر وجوده بمستشفى (بني مسوس)، كان لزامًا عليّ أن أزوره.
إنّه الأخ والصديق، صاحب المسيرة الطويلة والمضيئة ، ( الحاج الطيب عزيز) حفظه الله وشفاه، عرفته أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، خلال مرحلة السرّية للحركة، حين كنّا نرتّب أعمال هذه الجماعة الطيبة خدمةً للجزائر وخدمةً للإسلام، وذلك قبل التعددية السياسية.
ثم توطدت علاقتنا أكثر حين التحقنا معًا، في الوقت نفسه، بالمكتب القطري لهذه الجماعة الطيبة، برئاسة الشيخ محفوظ نحناح، ونائبه الشيخ محمد مسلماني، رحمهما الله، فكنّا في مكتبٍ واحد.
كان هذا المكتب يضمّ قرابة أربعة عشر شخصًا، وهو الذي كان يرتب وينظم العمل لمختلف الأنشطة التي كنّا نقوم بها، وأشرف على تأسيس مختلف المؤسسات.
كان ( الحاج الطيب عزيز ) مسؤول الوسط الغربي من البليدة إلى غاية غرداية، وكنتُ أنا مسؤول الشرق الجزائري.
واشتغلنا معًا في أمور كثيرة جدًا، وجمعتنا أسفار عديدة.
زرنا اليمن سنة 1994، وأذكر في ذلك الوقت كان ممثل الجزائر في اليمن سعادة السفير ( بوطورة مصطفى) سفير الجزائر في اليمن، ولعلّ أخي معالي الوزير ( عبدالمجيد مناصرة) يتذكر أسباب وحيثيات تلك الزيارة خدمةً للجزائر ولأبناء الجزائر.
وكانت لنا زيارة أخرى معا إلى بريطانيا، سنة 1998 كان كل همنا ان نتواصل مع أبناء الجزائر للشرح لهم نظرتنا لما آلت إليه الامور .
كما كانت لنا جولة طويلة بين الأردن وسوريا ولبنان، ولعلّ أخي (فريد هباز ) الذي كان في في رفقتنا يتذكر تلك الجولات على مشارف فلسطين. من ام قيس الى اليرموك ، .
وكانت لنا أيضًا زيارة إلى ماليزيا، وهناك وقعت لنا حادثة من أغرب ما يمكن أن يحدث،
كنّا نتمشّى مع الشبخ محفظ نحناح رحمه الله نتمشى في ( كوالالمبور )، فسمعنا الاذان لصلاة الظهر، فقصدنا احد المساجد، ونحن على السلم، قال الشيخ محفوظ متسائلا: لا ندري أين هو الشيخ محمد أحمد الراشد، الذي تعذّب كثيرًا متنقلًا من العراق إلى اليمن ثم إلى الإمارات، وبها حدثت له مشاكل عديدة، ثم إلى إندونيسيا، ولا ندري أين استقر به المقام، وما إن دخلنا المسجد، حتى قابلنا الشيخ محمد أحمد الراشد رحمه الله، وكان بيده قلم وأوراق، فقام إلينا مسرعا بين الضحك والبكاء . فقلنا له: يا سبحان الله كنا نتكلم عنك، فقال الشيخ الراشد: أمّا أنا، ففي هذه اللحظة كنت أكتب هذه الجملة في مقدمة إحدى الكتب : (وقد حازت مدرسة الشيخ محفوظ نحناح السبق في الوسطية والاعتدال ... ) جلسنا نحمد الله ونشكره على تلك النعم والخواطر المشتركة، وفي ماليزيا كانت لنا لقاءات مع مختلف الفعاليات الدينية والسياسية والمجتمعية، وحدثت لنا هناك أحداث ربما لا يتّسع المقام لذكرها.
وسافرنا أيضًا إلى البقاع المقدسة عدة مرات، سواء في الحج أو في العمرة، ولن أنسى تلك اللقاءات في تلك السنوات الصعاب التي مرت بها الجزائر خلال المأساة الوطنية، حين كنا نتواصل مع مختلف الفعاليات لنقول لهم إن الجزائر – إن شاء الله – ستخرج من أزمتها، وسيكون لها غدٌ مشرق، وكنا نطلب من الجميع ألا ينخرطوا في أعمال العنف والدمار والاقتتال الداخلي ...
أمّا داخل التراب الوطني، فقد قمنا بجولات ماراثونية من أقصى شرق الجزائر: من الطارف، عنابة، سكيكدة، قسنطينة، سطيف، باتنة، بسكرة، الوادي شرقا مرورًا ببجاية وتيزي وزو ثم إلى الجلفة، ، ث غرداية، الأغواط، وهران، الشلف، البليدة، والعاصمة، وفي معظم البلديات كانت لنا جلسات، وكذلك تلمسان في البدايات، ومستغانم. وكانت لنا أسفار كثيرة جدًا.
واشتغلنا كذلك في قضايا تخص فلسطين في محطات وأمورٌ كثيرة لا يسمح المقام بذكرها في منشور محدود.
أما داخل الحركة فقد كانت لنا أعمال مشتركة؛ في البداية كان هو مسؤول التربية، وكنتُ مسؤول التخطيط، ثم أصبح هو رئيس مجلس الشورى، وكنتُ وقتها أنا مسؤول المالية والتجهيز. كما اشتغلنا معًا في البرلمان، وأدّينا واجباتنا بما نستطيع، وكنا ننسق في الكثير من الاعمال مع مختلف القطاعات ، وأنا أشهد أنّ دوره في ولاية الأغواط كان كبيرًا جدًا، وقد خدم الجزائر وخدم سكان الأغواط الذين منحوه ثقتهم ثلاث عهدات في البرلمان.
واشتغلنا كذلك في الحملة الانتخابية لفضيلة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله سنة 1995، حيث كنتُ رئيس الحملة الانتخابية، وكان هو مسؤول البرمجة، ولقد عشنا تلك المحطة بكل ما فيها من تعب وأرق ، وما فيها من أحزان وأفراح ، ورافقتنا في ذلك طرائف وغرائب وعجائب كثيرة، لا يتسع المقام لذكرها.
هذا الرجل الذي ترونه لا يتكلم كثيرًا، لكنه كان واحدًا من الذين يحملون أسرار هذه الحركة، وكانت له معرفة دقيقة بكثير من الامور مع الشيخين محفوظ نحناح و محمد بوسلماني رحمهما الله، ولكنه ربما يدخرها ليوم ما ليقدمها للأجيال .
حتى هذا المنشور وقد استأذنته في كتابته مثل عادتي لما اكتب عن شخص بعينه في مرضه او سفره او خصوصيات، فرفض في البداية، ثم أعانني عليه نجله خالد فأذن بعد ذلك.
وإنني أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ عليه بالشفاء والعافية، وأن يقوم من هذه الوعكة الصحية بخير. وما أقوله لشبابنا، ولأبنائنا وأحفادنا: الرجال قليلون، ونحن نفقد الكثير منهم ومعهم نفقد محطات ، فاحرصوا على التواصل مع هؤلاء الرجال، خذوا عنهم، واسمعوا منهم تجاربهم.
لا أقول ليقرّروا لكم، ولكن اسمعوا وتدبروا وخذو الدروس والعبر؛ فالوسائل قد تتغير، والظروف تتبدل، لكن طبيعة البشر لم تتغير منذ خلق الله آدم.
الحاج الطيب عزيز اليوم قد تجاوز السبعين سنة، أسأل الله له العفو والعافية والمعافاة والشفاء العاحل. وقد قلت له إنّ الجزائر لا تزال تحتاج إلى جهود أبنائها، وربما لن نؤديها كما كنا نؤديها في شبابنا، ولا من خلال المناصب والمسؤوليات، ولكن سنؤديها بالرأي والمشورة متى طُلب منا أولم تطلب منا .
وأخيرًا، لا أفشي سرًا إذا قلت إن الحلقة التربوية، والأسرة التي بدأناها في البدايات مع الشيخ محفوظ نحناح رحمه ، هي من الأسر القليلة جدًا التي لا تزال إلى اليوم قائمة، رغم أن بعض الإخوة انتقلوا إلى فضاءات أخرى، وبعضهم انسحب لأسباب مختلفة. هذه الأسرة التي أنا فيها مع الأخ الحاج عزيز لم تتوقف إلى يوم الناس هذا، وقد طعّمناها بأفراد آخرين ولا تزال تعمل ويلتقي افرادها في جلسات إيمانية معرفية ....
وأحب أن أقول أيضًا: مع اخي الحاج عزيز لم نكن متوافقين في كل شيء، بل كنا نختلف أحيانًا في الرؤية، أو الوسيلة، أو الصيغة، لكن كان اختلافنا منضبط بشرع الله وبالاخوة الصادقة والكلمة الطيبة، وكلانا يعلم أن همنا هو خدمة ( الاسلام والجزائر ) ، فنخرج من كل جلسة أكثر حبا وودا ...
هذا بعض ما جمعنا ... وبقي الكثير الذي يمكن عرضه عن مسيرة هذا الرجل ...
نسأل الله له الشفاء العاجل، وأن يجزيه خير الجزاء ... وان يتقبل منا جميعا ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري