الدكتورعبد القادر سماري

استحثني بعض إخواني على كتابة هذه الاسطر، وللذكرى أثرها في القلب والوجدان :

استحثني بعض إخواني على كتابة هذه الاسطر، وللذكرى أثرها في القلب والوجدان :
يوم الاثنين 22 نوفمبر 1993 خرجت من سطيف فجرا لحضور اللقاء الاسبوعي للمكتب القطري للجماعة ( لم نكن قد قمنا بالادماج الهيكلي، فكان يشرف على العمل ثلاثة مكاتب : مكتب قطري وهو القيادة العامة - مكتب سياسي يتابع القضايا السياسية - مكتب العمل الخيري والثقافي يتابع عمل الجمعية ومكاتب المؤسسات الأخرى ) كان اللقاء برئاسة فضيلة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله وبحضور أعضاء المكتب القطري .
جدول الاعمال تناول:
- تقارير الجهات والمؤسسات( في ذلك الوقت كنت مسؤول الشرق الجزائري، خلفا لأخي عبدالسلام قطوش حفظه الله)
- قضايا تربوية .
- قضايا سياسية: الواقع السياسي واللقاءات الحزبية
- الوضع الأمني.
من بين القرارات التي تم إتخاذها، هذا القرار :
( نظرا للواقع الأمني وتأزم الاوضاع فإنه يتعين ما يلي :
- أن لا يسافر أكثر من إثنين من أعضاء المكتب في سيارة واحدة ومن الافضل أن يكونا مرفوقين بأعضاء أقوياء .
- أن لا يبيت أي أحد في بيته خلال المرحلة القادمة .) بالاضافة إلى قرارات أخرى.
في نهاية اللقاء توجه إلينا الشيخ محفوظ رحمه الله واحدا واحدا ليؤكد على ضرورة الحيطة والحذر، ومما أذكر جيدا أنه قال للشيخ بوسليماني رحمه الله : يا الشيخ محمد هاذيك الدار نتاع الدردارة لا تذهب إليها ولا تبيت فيها فإننا مستهدفون، وأكد عليه )
افترقنا يوم الاثنين 22 نوفمبر مساء، قضيت ليلتي عند أحد الاخوان ، رجعت إلى سطيف يوم الثلاثاء فجرا، كلمت الإخوة في مكتب جهة الشرق ورؤساء مناطق الشرق الجزائري لنعقد لقاء يوم الجمعة 26 نوفمبر 1993، لتبليغ القرارات والترتيبات المستقبلية لعمل الجماعة.
صبيحة يوم الجمعة 26 نوفمبر ومباشرة بعد صلاة الفجر ، رجعت من المسجد إلى البيت، بدأت قراءة المأثورات مع أولادي، يرن الهاتف لأستمع للخبر المفجع : (لقد قامت مجموعة غير معروفة باختطاف الشيخ محمد بوسليماني من بيته فجر اليوم ومن الواجب عقد لقاء طاريء لدراسة الوضع) ، توالت الذكريات في مخيلتي ، ثم بدأت الاحتمالات تتوافد إلى ذهني، دمعات باردة انحدرت على خدي، الاولاد مازالوا قد مستمرين في قراءة المأثورات، سألتني أم الاولاد : خير إن شاء الله ؟
جوابي كان بحشرجة في صوتي: الشيخ بوسليماني اختطفوه من بيته ،
فردت بانفعال : والسيدة قوسم والحاجة أم الشيخ يا رب يا رب .
علاقتنا تتعدى الأمور التنظيمية، بكيت وبكت وبكى الاولاد، فانقلبت جلسة المأثورات إلى جلسة دعاء وبكاء : يا ربي سترك، يا ربي لطفك،
لا بد من تعدي هذه اللحظة، أخذت الهاتف، سحبت كناشة المعلومات وبدأت بالاتصال بالاخوة في ولايات الشرق لتأجيل موعد اللقاء وإخبارهم بالامر، لا طعم للنوم، لا طعم للأكل، أعدت لي الحاجة لباسي ومستلزمات السفر، ودعت الاولاد وأمهم، أخرجت السيارة وتوكلت على الله إلى العاصمة، 300 كيلو متر، دعاء ، ابتهال، تضرع، منعرجات المنصورة، منحدرات البويرة، لم أحس بالطريق، وصلت إلى المقر المركزي بالمرادية حشود من الإخوان، دموع، حيرة، استفسار ، وجوم، أسسنا خلية متابعة... ثم بدأت حلقات مسلسل لا تنتهي، يوميا تأتينا أخبار متضاربة، الاخوان مجندون لكل شيء، تنقلات، لقاءات، إلى الشريعة، إلى الزبربر، إلى الشفة، فهمنا أن المكيدة حيكت بين أطراف مختلفة، يُراد للحركة أن تنحرف عن مسارها، يراد للجماعة أن تزيغ عن هدفها.
تساؤلات كثيرة وعلى رأسها : لماذا الشيخ بوسليماني؟ ولماذا في هذه المرحلة بالذات ؟الجميع يعلم أنه :إذا كان الشيخ محفوظ نحناح هو صاحب الفكر والنظر فإن الشيخ بوسليماني هو المحرك وهو الدينامو وهو العين الساهرة.
وتكثفت جلسات الذكر، وجلسات الدعاء، وجلسات المشورة، وجلسات المواساة والتثبيت، الجميع يواسي الجميع، والكل في حيرة أكثر من الكل.
ولقد كان لعموم الجزائريين في الداخل والخارج، وعموم العرب والمسلمين الذين تعرفوا على الشيخ بوسليماني في المغرب العربي و في المشرق العربي وفي جنوب آسيا وفي أوروبا وفي أمريكا، كان لهم تجاوبا محمودا مع الحدث... واستمرت الحالة لمدة ثلاثة أشهر حتى كان الخبر الفاجعة ... لقد رحل شهيدا، في قافلة الخالدين ، جُز عنقه بالمنشار، لم يَفْتِ باستحلال دم مسلم، ولم تلِن له قناة ...
تسابقنا معه فسبقنا، سبقنا صابرا محتسبا ... وبعده تتوالى جراح الجزائر وشهداء الجزائر من مختلف الاطياف والاعمار... ثم بعد تسع سنوات ونصف ( 19جوان 2003) يلتحق به رفيق دربه، الشيخ محفوظ، بنفس الصبر والاحتساب... رحمهما الله.
اللهم ألحقنا بهما على خير ، واجمعنا بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عند الحوض.
د. عبدالقادر سماري