ما عليهش خلينا نحكي عن اليوم وما كان فيه من الفوائد واللطائف ومما يفرح ويبعث الأمل ... حتى لا يتشفى فينا العزَّال ...
ما عليهش خلينا نحكي عن اليوم وما كان فيه من الفوائد واللطائف ومما يفرح ويبعث الأمل ... حتى لا يتشفى فينا العزَّال ...
جاءتني دعوة من جمعية الإرشاد والاصلاح لزيارة مدينة ورقلة ... موعد الرحلة أمس الجمعة 06 فبراير على الساعة الثالثة والنصف 15:30، يعني يجب ان أكون في المطار على الساعة الثانية والنصف 14:30 كآخر أجل ... تشاورت مع الاولاد في أي مسجد أصلي الجمعة لأكون في الموعد ... فأجمعوا ان أصلي في مسجد( الشيخ أحمد حماني ) في الدار البيضاء ليس بعيد عن المطار ...
جمعت أمري وأمتعتي وتوكلت على الله ...
شوارع الدار البيضاء مملوءة بالقادمين للمسجد من كل الأحياء، كلهم شباب ... منظر يفرح المؤمنين ويغيظ الكفار والمنافقين وابستين ...
قبل دخول المسجد إستقبلني شاب وشيخ، رحبا بي، عرفاني ولم أعرفهما، أثناء الحديث قال أحدهما : مازال لا نعرف من سيلقي الدرس،
قلت : من العادة الشيخ (علي عية) يُدَرِّس في المسجد المقابل مسجد الشيخ أحمد كتو،
أردف الآخر : الشيخ علي عية قليلا ما يأتي هنا
قلت : هذه مدة لم ألتق به ...
دخلنا المسجد صلينا ما كتب الله، فإذا بالشيخ( علي عية ) يخرج من المقصورة ويجلس على كرسي الدرس،
يا سبحان الله ... قبل قليل كنا نتكلم عنه ... هي من محاسن الأقدار ...
لما افتتح كلامه، تذكرت اول جمعة صليتها وراءه، كان ذلك قبل 45 سنة، سنة 1981 في مسجد ( السان ميزون ) بالحراش، كنت طالبا وقتها في جامعة سطيف جئت للعاصمة مع بعض الإخوان من أجل شراء الكتب من أول معرض للكتاب في الجزائر ... في ذلك الوقت كان درسا ناريا والخطبتان لا تقلان عن حماسة الدرس ... بعض العبارات لا يزال صداها يرن في مسمعي ...
لنرحع لدرس اليوم :
يبدأ : مسميا، حامدا، شاكرا، مُصَليا ثم يسترسل كعادته مبينا فضل اللقاء في بيوت الله للذكر والتناصح، ثم يبدأ في الدرس عن (( الاستعداد لرمضان )) ... ليقول أن الصيام نوعان :
صوم : عادة
صوم : عبادة
يختلفان من حيث النية والاستعداد
وبدأ يستشهد في الموضوعين بالقرآن والسنة وأقوال العلماء ... كلها درر ... ثم توقف عند حوار بين الامام أحمد بن حنبل وابنه عبدالله،
قال الإبن لأبيه : يا أبت، ها هو رمضان قادم فبماذا تنصحني ...
قال الأب : عليك بأمرين
الأول : أن تستجمع نيتك لتكون عابدا لله في صيامك نهاره وقيامك ليله وتدبرك لكتابه محتسبا أمرك لله تاركا شهواتك ليس عادة ولكن عبادة ...
والثاني : أن تعزم عزما لا ينتابه خمول على أن تفعل كل أنواع الخير التي تعترض طريقك، وان لا تغلق باب بر فتح أمامك.
نصيحتان استجمعتا كل شيء ... أنهى الشيخ ( علي ) درسه بدعوات مباركات ...
ثم اعتلى المنبر، شخص آخر، أعرفه، هو من فضلاء الأئمة، الشيخ ( صحراوي حفظه الله ) بعد الحمد والشكر والشهادتين راح في خطبته الأولى يكلمنا عن :
الأعمال التي وعد الله أصحابها بأنه سيبني لفاعليها بيوتا وقصورا في الجنة ...
يا الله كم هي كثيرة وكم هي سهلة ... وهذا وعد مِن مٓن لا يُخلف وعده ...
لقد عددت منها سبعة، كل إنسان مهما كان وضعه يستطيعها ... قلت في نفسي مناجيا ربي (يا رب ساعدني وساعد المومنين لفعلها )
ثم كانت الخطبة الثانية : كلها توجيهات لأولئك الذين جعل الله أرزاق الناس في أعناقهم : للتجار وأصحاب المال ...
انهينا الصلاة، بعد الباقيات الصالحات، نظرتنا للساعة، لا يزال أمامي متسعا من الوقت، والمطار على بعد 5 دقائق بالتمام ... دخلت المقصورة ... ألقيت السلام اقتربت من الشيخ علي ... تهلل وجهه ... قال بصوت بين الخفوت والجهر : سي سماري أهلا ... أراد القيام ... استحلفته بالله أن لا يقوم ... وانحنيت أقبل رأسه ... ورحنا يسأل بعضنا بعضا عن الاحوال والصحة والأولاد ...
دخل الشيخ صحراوي فازدان المكان بهاء وحبورا ... وطفقنا نتذكر المحطات التي جمعتنا، والأمل الذي يحدونا...
ذكّرته بذاك الدرس وتلكما الخطبتين قبل 45 سنة في سان ميزون...
ابتسم وقال للحضور : من أجمل ذكرياتي في ذاك المسجد، أواخر الثمانينات كانت إشاعة بين الناس يتداولونها بأن هناك عداء مستحكما بين :
الشيخ عباسي مدني والشيخ محفوظ نحناح رحمهما الله، وكانت بوادر فتنة يشيعها ضعاف النفوس، قال : كان مسجد السان ميزون دوما مملوءا، فذهبت للشبخ عباسي وطلبت منه ان يأتي ليقدم الدرس في المسجد فوافق ...
ثم ذهبت للشيخ محفوظ وطلبت منه أن يأتي ليقدم الخطبتين ويصلي بالناس ... فوافق، ولم اخبر لا هذا ولا ذاك عن الآخر ، ويوم الجمعة جاء (الشيخ عباسي) أولا فجلسنا في المقصورة ... ثم استأذنته للخروج بعد أن أشار لي أحد معاوني، وعند الباب كان الشيخ محفوظ، فأدخلته المقصورة وقلت لهما : الآن أنا أترككما ... بينكما ...
قال الشيخ عية : خرجت لبضع دقائق، ورجعت فوجدتهما يتحاوران بكل أدب واحترام ... حان وقت الدرس فأعتلى الشيخ عباسي كرسي الدرس فأجاد وأفاد،
ثم اعتلى الشيخ محفوظ المنبر للخطبتين فأحد وأفاد ... ثم صلى بالناس بصوته الجٓهْوٓري ... وكان الناس يومها بين متعجب وحامد وآمل خير ... كان عرسا ...
حان وقت ذهابي للمطار فاستأذنت طالبا الدعاء ...
في المطار ... لن اتكلم عن ما يفسد المزاج ...
بعد الإجراءات وأنا في ممر الانتظار يُقْبِل عٓلٓيّ أحدهم، الوجه أعرفه، إبتسامته الساحرة أذكرها، والإسم لم يحضرني ... كدت أذوب في عبق كلماته الطيبة، فلقد أحرجني بإطنابه، لم يتركني لحيرتني ... وراح يُذكِّرني بلقاءاتنا في باريس، ثم آخر لقاء أثناء ( جائحة كوفيد ) فلقد كان من مجموعة الجزائريين بالخارج الذين تعاونا معهم لاستجلاب وسائل التنفس ودواء كوفيد ... إنه الأستاذ الطبيب الدكتور ( جمال زكري حفظه الله) ...
في كل مِحْنة مِنْحة ...
محنة الانتظار، محنة التلاعب بالوقت، محنة عدم الاكتراث لأحوال المسافرين، محنة الصعود ثم النزول، محنة بين حرارة الحافلة المغلقة، ولسعات البرد عند الفتح والغلق ... في كل هذه المحن ... كانت هناك منحة غالية ، لا تقدر بثمن، ما يقارب الخمس ساعات مع هذا الرجل الطيب، موسوعة في الأدب والطب والاستشراف والاهتمام بالاسلام وأوضاع المسلمين، ورحمته بخلق الله مهما كان لونهم وجنسهم ... وما أسِرني به ( من الأسْر ) ، ونحن في الطائرة، حين أخرج كتابا، عَرَّفني بكاتبه الذي أهداه له قال لي : هو غال عندي وانت أغلى منه فهو لك وانا سأجده هناك في مرسيليا ... عنوان الكتاب :
Gouverner l’islam en france
تقبلته منه بكل حب وفخر واعتزاز ...
انتهت الرحلة ... وصلنا مدينة ورقلة ... جمع غفير من الاخوان كان في الانتظار ... أذكر منهم الاستاذ النائب (أبوبكر بلعالي)، والسيد رئيس المكتب الولائي لجمعية الارشاد والاصلاح الاستاذ (عبدالقادر سيود) ... وآخرون من بينهم أخ الدكتور جمال ... كان استقبالا رائعا ...
ومن المطار الى المقر الولائي لجمعية الارشاد والاصلاح ...
أي حرارة، أي ود، أي بشاشة، أي كلمات تضاهي ما سمعته من طيب الترحيب... يتقدمهم الأخ الاستاذ : رحمون حفظه الله ...
تذكرت الدعاء المأثور عندنا :
(( اللهم اجعل لي في كل اثنية ولية )) ...
أما بالداخل ... في القاعة الكبرى من المقر ... خلق كثير ،،، شبان وشابات ... في مقتبل العمر ... كلهم طلبة في الجامعة والثانويات ... كنت اتأمل وجوههم وأتذكر أيام الشباب ... المطلوب مني ان أقول لهم كلمة، بعد الافتتاح و التقديم من طرف الاستاذ عبدالقادر ... لم أجد بُدًّا من أن أذكرهم بفضل الله عليهم، والنعم التي هم فيها، متوقفا عند قوله تعالى :
(( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون ان يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات )) .. ثم بعض النصائح وواجبات الشباب منها :
التزود من كل أنواع الزاد
التواصل مع الناس
الإبداع في طرائق العمل بما يوافق العصر ...
ثم كانت كلمة السيد النائب ابو بكر عن تجربته في ( غزة العزة ) وما رأى بها وما سمع ... ثم فتح باب النقاش ... إهتمام الشباب في المستوى ... والأمل يحدوهم ... والراية ستبقى بإذن الله عالية خفاقة ... انهينا اللقاء في وقت متأخر ... استرحنا قليلا ... وقبل قليل صلينا الفجر ... وها هي هذه الكلمات بين أيديكم لعل فيها بعض ما يحيي النفوس ويرفع الهمم ويبعث الأمل ... واليوم، السبت، سألتزم ببرنامج الاخوة، ولكن هناك بعض الاحباب القدامى سأحاول زيارتهم، منهم على سبيل المثال لا الحصر الاساتذة الافاضل : العيد ليمام، ابراهيم بن ساسي، لخضر بلعشي، محمد تمار، لزهر قريشي، محمد لخضر لخضاري، عبدالكريم قريشي ... النية موجودة والتوفيق من ربي ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري




