إنا لله وإنا إليه راجعون
إنا لله وإنا إليه راجعون
لله ما أعطى ولله ما أخذ
اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا اللهم ... وأنا أكتب هذه الجملة الأخيرة تذكرت أم سلمة حين توفي زوجها ابو سلمة ... ولكننا نقولها طمعا فيما عند الله وتصديقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ...
رحل اليوم رجلٌ من طرازٍ نادر،
رجلٌ لا يحدث بغيابه ضجيجًا، ولا يُقيم بحضوره صخبًا،
لكنه إذا مضى ترك فراغًا لا يملؤه إلا الصادقون ...
رحل الشيخ الأستاذ ((عبد المجيد مبروك )) عن عمر 71 سنة،
فما رحل علمٌ محفوظ في الكتب،
ولا كلماتٌ تُلقى على المنابر،
بل رحلت روحُ تربي الاجيال، ونَفَسُ تدعو الناس، وسيرةُ رجلٍ عاش للدين لا به،
وعمل للإسلام لا باسمه،
وخدم وطنه وأمته في صمتٍ كله إخلاص.
أنا متأكد ان كثير من شبابنا اليوم لا يعرفونه ... هذه بعض الشذرات من سيرته العطرة رحمه الله :
وُلد سنة 1955 في عائلة علمٍ وأدب،
في مدينة سبدو بولاية تلمسان،
فتفتّحت عيناه على القرآن،
وشبّ قلبه على محبة العلم وأهله.
التحق مبكرًا بالعمل الإسلامي في الغرب الجزائري مع ثلّةٍ من خيرة الرجال الذين عرفناهم خادمين للدين منافحين عن الوطن من بينهم على سبيل المثال لا الحصر الاساتذة :
محمد مسلم، جعفر، إبراهيم خوجة، عبد الحق منصوري، غازي، عثمان،
عبد العزيز سجراري، بغدادي، الحاج حمو، الشيخ عكاني، الشيخ غلام ... وآخرون حفظهم الله جميعا
،ومن الذين فارقونا الى دار البقاء الإخوة : الشيخ رحالي، الشيخ بريكسي، الأستاذ مداح ، الاستاذ الحبيب رحمهم الله ... وآخرون ،
ليصنعوا النواة الأولى للعمل الدعوي في الغرب الجزائري،
بفهم عميق وعمل متواصل.
ثم كان عضوًا في مجلس الشورى الوطني للجماعة في بدايات العمل،
لقد كان رحمه الله،
متواضعًا، هادئًا، قليل الكلام،
من أولئك الذين إذا حضروا لم يُعرفوا، وإذا غابوا لم يُفتقدوا،
لكن آثارهم تبقى،
وتلامذتهم يتكلمون عنهم بعد الرحيل.
ناضل واجتهد وعمل لدينه ووطنه وأمته،
إلتحق بجامعة وهران حين كان شابا ، ليبقى فيها سنة واحدة ثم ينال منحة دراسية لينتقل إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة،
حيث اغترف من العلوم،
والمعارف والحكمة ، ثم عاد إلى الجزائر،
أستاذًا، وإمامًا، ومعلّمًا، ومربّيًا،
يحمل همّ الإصلاح بالكلمة الطيبة والقدوة الحسنة والسلوك القويم ،
يأسر القلوب قبل أن يخاطب العقول.
ثم شدّ الرحال في أواسط التسعينيات إلى سوريا،
يلتمس العلم من علمائها،
ويزداد رسوخًا، وحكمة، واتزانًا،
ثم عاد ليكمل المسيرة في وطنه،
بعلم وافر، وقلبٍ مؤمن،
وأخلاقٍ رفيعة، وسلوكٍ قويم.
كان بعيدًا عن الغلوّ،
بعيدًا عن التطرّف،
ثابتًا على الوسطية والاعتدال،
يعلم أن الدين رحمة،
وأن الدعوة حكمة،
وأن التربية صبرٌ طويل ...
وفي سنواته الأخيرة،
ابتلاه الله بالمرض،
فصبر وصابر،
وما تغيّر، ولا اشتكى،
كأنما كان يعلّم بمرضه
آخر دروسه في الرضا والتسليم.
قبل أشهر شددتُ الرحال الى تلمسان لزيارته في بيته، ولكنهم قد أخذوه الى المستشفى لم تكتب لي رؤيته، ومن هناك، من امام بيته، كلمت شقيقه صديقنا الاستاذ عبدالحفيظ مبروك حفظه الله، المقيم في ستوكهولم بالسويد ، فأخبرني انه ليس في البيت ... لم يكتب الله لنا اللقاء الأخير ... لعله يدخره لنا هناك عند الحوض إن شاء الله ... ذاك طمع في فضل الله...
واليوم قبل قليل يأتينا خبر إنطفاء الشمعة التي كانت تضيء عالم البشر في الدنيا ... ليستضيء بأكثر من ضوئها قبره بإذن الله.
رحل أخونا الشيخ عبد المجيد مبروك،
وإنا لنشهد – والله حسيبه –
أنه أدّى ما عليه تجاه دينه، ووطنه، وأمته،
وربّى رجالًا ونساء
وترك آثارا طيبة ...
اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وتقبل منه وادخله الجنة ونجه من النار واحشره في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا به على خير.
د. عبدالقادر سماري
