الدكتورعبد القادر سماري

إنا لله وإنا إليه راجعون، لله ما أعطى ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجلٍ مسمّى.

إنا لله وإنا إليه راجعون، لله ما أعطى ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجلٍ مسمّى.
فرغنا قبل قليل من تشييع جنازة الفقيدة الحاجة (الحاجة مسعودة كلام) رحمها الله، والدة الأخ والصديق (الحاج سليمان دهيري حفظه الله). في الوثائق هي من مواليد سنة 1926، وفي الحقيقة عمرها أكبر من ذلك بخمس أو ست سنوات، ما يعني أنها توفيت وعمرها بين 104 و107 أعوام؛ عمرٌ مديدٌ ليس بطوله فحسب، بل بعمقه وامتلائه بالأحداث والتضحيات والمعاني.
عاشت رحمها الله سنوات الاحتلال قبل الثورة ومعاناته، ثم عاشت سنوات ثورة التحرير وإرهاصاتها، ثم عاشت سنوات الاستقلال وانجازاته فكانت شاهدة على ثلاثة أزمنة : زمن القهر وزمن الثورة وزمن الانبعاث. عرفت معنى الخوف على الوطن، ومعنى الأمل فيه، وعاشت التحولات الكبرى بصبر المؤمنات وثبات الصابرات.
أنجبت من بطنها اثني عشر ولدًا، ثم ابتُليت عائلتها بوفاة أب زوجها، وترك وراءه خمسة أطفال، فأصبح العدد 17 طفلا، فتكفلت بالجميع حتى كبروا وتزوجوا. كانت أمًّا حين تحتاج الأسرة إلى الأمومة، وأبًا حين يغيب الأب، وسندًا حين تشتد الخطوب. لم تعرف التذمر، ولم ترفع راية الشكوى، بل رفعت أبناءها على القيم، وربّت أجيالًا على معاني الصبر والكفاح وحبّ الدين والوطن.
عرفتُها أواسط سنوات الثمانينات من القرن الماضي، حين كنا نلتقي في بيت ابنها الحاج سليمان، في لقاءات العمل السري قبل التعددية. كانت تسكن في الطابق العلوي، وهو في الطابق السفلي. وكثيرًا ما كانت تأتي إلينا ونحن نحضّر اللقاءات والمخيّمات، تمرّ بهدوئها الواثق، وتحيّينا بدعائها الصادق، وتشجّع بخطواتها الثابتة مسيرةً كانت يومها محفوفة بالمخاطر. عايشت الصحوة، وكانت مثالًا يُحتذى في الصبر والدعم لابنها في مسيرته الدعوية، لا تثنيه تخويفات، ولا تُرعبه تهديدات، لأن خلفه أمًّا مؤمنة تعرف أن طريق الدعوة تضحية، وأن عاقبته خير.
توفي زوجها قبل سبعةٍ وعشرين سنة، فصبرت وبقيت محافظة على الأسرة، ترعاها بعينٍ ساهرة وقلبٍ حاضر، حتى بلغ عدد أفرادها بين أبناء وأحفاد وأسباط ما يقارب المائة 100. أي شجرةٍ هذه التي أصلها ثابت وفرعها في السماء؟ أي غرسٍ هذا الذي أثمر أجيالًا متتابعة، كلٌّ منهم يحمل في دمه وصيتها الصامتة: “كونوا أوفياء لدينكم، أوفياء لوطنكم، أوفياء لبعضكم بعضًا”.
واما علاقتي بابنها الحاج سليمان دهيري، حفظه الله، فهي تمتد لما يقارب خمسين سنة، كان أول لقاء سنة 1979، حين كنت طالبًا بجامعة سطيف، فأقمنا معرضًا للكتب، فجاء سائقًا بأحد المشايخ (م. ع.) الذي ألقى محاضرة بعنوان: “مسؤوليات الطالب الجزائري”. أذكر جيدًا أن المحاضرة سبقها تلاوة عطرة لسورة الحجرات، من إلقاء القارئ الشيخ (الطيب لفقير حفظه الله)، وكان تفاعل الطلبة كبيرًا. منذ ذلك الحين بقيت علاقتنا أخوية في خدمة الدين والوطن، ولا يتسع المقام لسرد أحداثها، لكنها كانت علاقة باركتها تلك الأمّ الصابرة بدعائها ورضاها، وامتدت تلك العلاقة لأزواجنا وابنائنا فهم اليوم في تواصل دائم ....
الحاجة مسعودة ليست مجرد اسم في سجل الوفيات، ولا رقمًا يتجاوز المئة من الأعوام، بل هي مدرسة في الصبر، ونموذج لبنات هذا العصر: في العفة، وفي تحمّل المسؤولية، وفي الجمع بين واجبات البيت ورسالة الحياة، وفي الثبات على القيم مهما تبدّلت الأزمنة. لم تعرف الأضواء، لكنها صنعت رجالًا ونساءً حملوا المشعل. لم تكتب كتابًا، لكنها كتبت سيرتها في قلوب أبنائها وأحفادها.
إننا إذ نعزي الحاج سليمان دهيري، حفظه الله وإخوته، وكل العائلة الكريمة في الفقيدة، لنسأل الله أن يتغمّدها برحمته الواسعة، وأن يجعل ما قدّمته في ميزان حسناتها، وأن يجزيها عن أبنائها وأحفادها خير الجزاء، وأن يلحقنا بها على خير، غير مبدّلين ولا مفرّطين.
رحم الله (الحاجة مسعودة كلام)، وجعل قبرها روضة من رياض الجنة، وألهم أهلها وذويها الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون ... اللهم ألحقنا بها على خير، وأصلح ابناءنا وبناتنا ...
د. عبدالقادر سماري