Écriture
Écriture
بشائر الإسلام… رغم الآلام
وصلتني صورٌ كثيرة ومقاطع فيديو عن صلاة عيد الفطر في أوروبا وأمريكا لهذه السنة؛ مشاهد تُجسّد ما وعد الله به، وبشّر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن هذا الدين سيبلغ ما بلغت الشمس شرقًا وغربًا… غير أنّ الصور التي وصلتني من عيد الفطر في مدينة قرونوبل بفرنسا كان لها وقعٌ خاص في نفسي.
تُظهر هذه الصور الفوج الأول بما يزيد عن ثلاثين ألف مصلٍّ (30000)، مع أعداد أخرى تنتظر لتصلي في الفوج الثاني…
وبينما كنت أتابع هذه المشاهد من تلك المدينة، عادت إليّ ذكرياتٌ يزيد عمرها عن أربعين سنة، فاستحضرتُ تلك المجموعة التي بدأنا معها العمل ونشر الإسلام في قرونوبل… وقلت في نفسي: كل هؤلاء المصلين سينالون أجورهم كاملة، ولكن تلك المجموعة الأولى التي بادرت بالعمل الدعوي ستنال الأجر معهم؛ فهي التي وضعت الحجر الأساس للمصليات والمساجد في هذه المدينة… إذ لم يكن حينها إلا مصلياتٌ متواضعة تحت الأقبية (des caves et sous terrains)…
تزاحمت الذكريات في ذهني، فعزمت أن أذكر بعض الرجال الذين كان لهم الفضل بعد الله، وأن أستحضر كيف عشنا تلك المرحلة ونحن طلبة شباب…
وصلتُ قرونوبل كطالب دكتوراه في شهر سبتمبر 1982، بعد أن تحصّلت على منحة دراسية. وكان همّنا الأول، بعد التسجيل، هو البحث عن أماكن للصلاة، خاصة صلاة الجمعة… وبعد تحرّيات وبحث، قيل لنا إن هناك مركزًا إيرانيًا تُقام فيه صلاة الجمعة، اسمه: C.C.I
Centre culturel islamique
قصدناه يوم الجمعة، وهناك تعرّفت على مجموعة من الجزائريين، أربعةٌ منهم انتقلوا إلى رحمة الله، وهم:
* بيطام لخضر، دكتور في الرياضيات (بعد التخرج التحق بجامعة باتنة أستاذًا، ثم توفاه الله).
* عبدالمنعم بن الصغير، دكتور في الرياضيات (بعد التخرج التحق بجامعة بسكرة، ثم أصبح رئيس المجلس العلمي بها، ثم شاء الله أن يتوفاه إثر حادث مرور بعد أداء مهمة كبيرة في خدمة الدين والوطن).
* عبدالقادر خلادي، دكتور في الرياضيات (بعد التخرج التحق بجامعة باب الزوار أستاذًا، ثم أصبح مديرًا لمعهد الرياضيات، ثم مدير المركز العلمي للأبحاث في الإعلام الآلي CERIST، ثم شاء الله أن يتوفاه في وباء كورونا).
* الهاشمي صغير، دكتور في الإلكترونيك (بعد التخرج رجع إلى بشار، ثم عاد إلى فرنسا، وهناك قضى الله أن يتوفى).
رحم الله من توفاهم، وأما الذين لا يزالون على قيد الحياة فأذكر منهم الأساتذة: محمد السعيد غيلاني (تقرت)، فؤاد لموشي (سكيكدة)، عمر عبدالقادر (العاصمة)، أحمد حوزي (تيارت).
هؤلاء هم الجزائريون الأوائل الذين تعرّفت عليهم في قرونوبل في تلك المرحلة (سبتمبر 1982)، ثم تعرّفنا على آخرين من جنسيات مختلفة، أذكر منهم على سبيل المثال:
نذير حكيم: سوريا
فواز العمر، هيثم زيادة: لبنان
حسام الدين طلعت: مصر
رضا محجوب، محمد الشخاري، الجمعي الظاهري، الأخوين الراجحي: تونس
عبدالرحمن لحلو، خالد السلاوي، حسن الإدريسي: المغرب
وآخرون من جنسيات أخرى، الله يعلمهم، ولا يضرهم أنني لم أذكر أسماءهم…
كان هؤلاء جميعًا يصلّون في هذا المركز الإيراني الذي كان يشرف عليه السيد (قدرة الله)، الممثل الشخصي للخميني في فرنسا…
وبعد لقاءات في غرفنا وفي الأحياء الجامعية، وخلال أسابيع، كثّفنا الاتصال بأبناء المسلمين من المهاجرين والجالية العربية والإسلامية، وبدأ العدد يتزايد، فأصبح المركز لا يتسع للعدد، علمنا بعد ذلك أن هناك مصلى في شارع tres cloitres، وجدنا صغير جدا وهو قبو تحت البنايات السكنية، انتقل بعضنا للصلاة فيه، صلينا فيه بعض الوقت، وكانت لي فيه قصة يطول المنشور لو كتبتها ...
ثم بدأنا البحث عن مكان أوسع لصلاة الجمعة، فلم نجد أفضل من ساحة إحدى الكنائس. فتواصلنا مع القائمين عليها، ومع رئيس بلدية سان مارتان دار (saint martin d’heres)، واستأجرناها لعدة أشهر من الساعة 11:00 إلى الساعة 15:00…
ثم بدأنا التفكير في إنشاء جمعية لمسلمي منطقة الإيزار، وشراء أماكن لإقامة المساجد. وبعد عدة لقاءات، أسسنا:
جمعية مسلمي الإيزار
Association des musulmans de l’isere (AMI)
ثم أسسنا جمعية ثانية:
الإيمان والتربية
Foi et education
وذلك حسب التخصصات.
وفي نفس الفترة، من سنة 1983، تم تأسيس: اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا
فكان أول مؤتمر في: نانت Nantes 1983
والثاني في: بوردو Bordeaux 1984
أما في مدينة قرونوبل، فبعد عدة لقاءات مع المسؤولين، تم فتح:
مسجد النور
مسجد أبوبكر الصديق
مسجد عمر بن الخطاب
ثم بدأ عدد المصليات والمساجد والمراكز الاسلامية يتكاثر في مختلف بلديات الولاية…
وفي سنة 1984، أقمنا أول صلاة عيد في المركز الأولمبي في قلب مدينة قرونوبل، وكان حدثًا مميزًا… ولم نكن نتصور أبدًا أن يصل العدد إلى ما وصل إليه اليوم في سنة 2026: ثلاثون ألف ( 30000 ) مصلٍّ في الفوج الأول، يتبعهم فوج ثانٍ…
إنها البشائر…
فطوبى لمن كان سببًا في هذه الفتوحات وهذه البشائر…
إنه محض فضل الله وما نحن إلا أسباب … والله متم نوره ... والمحروم من حرم نفسه، اللهم أكتب أجر ذلك لآبائنا وامهاتنا وذرياتنا ومشايخنا وعلمائنا … والله من وراء القصد.

