كلمة لا بد منها ...
كلمة لا بد منها ...
عن العالم الان ...
على مدى قرون، والحضارة الغربية الحديثة، التي يُشار إليها بالجذور ( اليهوdية–المsيحية) وهو تزاوج متناقض تدثرت به الsهيوNية العالمية التي قدمت نفسها باعتبارها النموذج الأرقى للتقدم الإنساني، وحاملة لواء الحرية وحقوق الإنسان. وبالفعل فقد نجحت في تحقيق إنجازات مادية هائلة في مجالات التكنولوجيا، والإعلام، والمواصلات، وأنماط العيش المترف، حتى بدا الإنسان المعاصر وكأنه بلغ ذروة السيطرة على الطبيعة. غير أن هذا البريق الخارجي يخفي أزمة عميقة، بوضوح غير مسبوق، حيث ينكشف التناقض الحاد بين الخطاب القيمي والممارسة الواقعية.
لقد فشلت هذه المنظومة وأفلست في الحفاظ على إنسانية الإنسان. فبدلاً من أن يكون الإنسان محور التقدم وحجر الزاوية في الاستقرار والازدهار، تحوّل في كثير من الأحيان إلى مجرد رقم في منظومة اقتصادية استهلاكية، تُقاس قيمته بقدرته على الإنتاج والاستهلاك. والنتيجة كانت فراغاً روحياً، وتفككاً نفسياً، وانتشار القلق والعزلة والكآبة في أكثر المجتمعات تقدماً مادياً.
أما الأسرة، التي تمثل نواة المجتمع، فقد تعرضت داخل هذا النموذج إلى تآكل واضح. فارتفاع نسب الطلاق، وتراجع مفهوم الالتزام، وهيمنة الفردانية المفرطة، كلها مؤشرات على أزمة عميقة في البنية الاجتماعية. ولم يتوقف الأمر عند حدود التفكك الطبيعي الناتج عن التحولات الثقافية، بل تعداه في بعض السياقات إلى سياسات وإجراءات تثير جدلاً واسعاً، حيث أن بعض الأنظمة تسمح لنفسها بالتدخل المفرط في شؤون الأسرة، وصولاً إلى سحب الأطفال من ذويهم بدعوى الحماية أو الرعاية، وما يصاحب ذلك أحياناً من خلق فجوة نفسية وثقافية بين الأبناء وآبائهم. كما تُطرح انتقادات حول بعض الخطابات التربوية والإعلامية التي قد تُضعف سلطة الوالدين أو تدفع نحو صراع داخل الأسرة بدل تعزيز التفاهم، مما يؤدي في النهاية إلى مزيد من التشظي العائلي وفقدان الاستقرار.
غير أن الانكشاف الأكبر لهذه الحضارة لا يظهر فقط في الداخل، بل يتجلى بوضوح في ممارساتها على الساحة الدولية. فالحضارة التي ترفع شعارات السلام وحقوق الإنسان والديموقراطية، هي نفسها التي شهدت أكبر الحروب في التاريخ الحديث، من الحربين العالميتين إلى النزاعات المعاصرة والتفجيرات النووية. التي لا تزال تحصد أرواح الملايين.
وفي هذا السياق، تمثل الأحداث الجارية في قطاع غزة ، ولبنان، واوكرانيا، وماينمار، نماذج صارخة لهذا التناقض. فمشاهد الدمار وسقوط المدنيين تطرح سؤالاً أخلاقياً حاداً: أين هي القيم التي طالما تم التباهي بها؟ وكيف يمكن لنظام دولي يدّعي حماية الإنسان أن يقف عاجزاً، أو متواطئاً بالصمت، أمام مآسٍ بهذا الحجم؟
كما أن سلوك كثير من القيادات السياسية، يعكس توجهاً يقوم على تغليب منطق القوة والمصلحة والهبمنة على حساب القيم والقانون الدولي، مما يزيد من تعميق أزمة الثقة في هذا النموذج الحضاري.
ولا يمكن إغفال فضائح مدوية مثل قضية جيفري إبستين، التي كشفت عن تداخل المال والسلطة والنفوذ في انتهاكات خطيرة، وأظهرت أن الشعارات الأخلاقية قد تنهار أمام شبكات المصالح، وما خفي أعظم.
أما تاريخ الاستعمار، المثقل بالإبادات الجماعية، فيبقى شاهداً على تناقض آخر، حيث رُفعت شعارات "التمدين" و"نشر القيم" لتبرير السيطرة على الشعوب ونهب ثرواتها، وهو إرث لا تزال آثاره قائمة في اختلال التوازن العالمي. وعلى المستوى الاقتصادي، تتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، بينما تستمر أشكال جديدة من الهيمنة بأدوات مختلفة.
وفي بعده البيئي، يبرز الخطر بشكل أوضح: فالنموذج الاستهلاكي التسلطي الذي تبنّته هذه الحضارة بات يهدد التوازن الطبيعي للكوكب، من خلال التغير المناخي، واستنزاف الموارد، وتفاقم التلوث، مما يجعلها لا تهدد الإنسان فقط، بل مستقبل الأرض كلها.
إن هذه المؤشرات مجتمعة لا تعني غياب أي إنجاز، لكنها تؤكد أن هناك أزمة بنيوية عميقة، تجعل من الضروري إعادة تقييم هذا النموذج، لا باعتباره نهاية التاريخ، بل تجربة إنسانية قابلة للنقد والمراجعة.
ومع ذلك، فإن الأمل لا يزال قائماً، فالمجموعة البشرية في مختلف أنحاء العالم، توجد بها أصوات المصلحين، والمفكرين، والحركات التي تسعى إلى استعادة التوازن، وإعادة الاعتبار للفطرة الإنسانية، وللقيم التي تحفظ كرامة الإنسان، وتصون الأسرة، وتحقق العدل.
إن إنقاذ العالم والبشرية كلها يكمن في إعادة بناء منظومة إنسانية أكثر عدلاً وتوازناً، تتجاوز التناقض بين المادة والروح، وتضع الإنسان، كل إنسان، في قلب الاهتمام. فالمستقبل لن يكون لمن يملك القوة فقط مع ضرورتها، بل لمن يستطيع أن يوفق بين القوة والقيم، وبين التقدم والأخلاق ... فأي الأمم ستكون حاملة هذا اللواء للقرون القادمة ...
د. عبدالقادر سماري