العالم العربي والإسلامي منذ القرن الثامن عشر شهد نمطًا متكررًا لا يخفى على المتأمِّل؛ إذ تعرّض للاحتلال دولةً بعد أخرى، وكان كلُّ شعبٍ وكلُّ أمةٍ تظنّ أنها بمنأى عمّا أصاب جارتها، حتى اكتمل الطوق واستُهدفت الجميع بلا استثناء. لم يكن ذلك صدفة، بل سياسةُ استفرادٍ متدرّجة تقوم على تفكيك القوى وعزلها، حتى يسهل إخضاعها واحدةً تلو الأخرى.
العالم العربي والإسلامي منذ القرن الثامن عشر شهد نمطًا متكررًا لا يخفى على المتأمِّل؛ إذ تعرّض للاحتلال دولةً بعد أخرى، وكان كلُّ شعبٍ وكلُّ أمةٍ تظنّ أنها بمنأى عمّا أصاب جارتها، حتى اكتمل الطوق واستُهدفت الجميع بلا استثناء. لم يكن ذلك صدفة، بل سياسةُ استفرادٍ متدرّجة تقوم على تفكيك القوى وعزلها، حتى يسهل إخضاعها واحدةً تلو الأخرى.
واليوم، تتكرّر الصورة بأدواتٍ مختلفة ووجوهٍ جديدة؛ إذ يُستهدف العالم العربي والإسلامي بالتدمير والإنهاك دولةً بعد أخرى، في ظلِّ غفلةٍ أو تجاهلٍ لسنّة الاستفراد نفسها؛ فكلُّ دولةٍ تظنّ أنها بمنأى عن التفكيك، وكأنّ ما يجري حولها لا يعنيها.
غير أن هذا الوهم هو أخطر ما في المشهد؛ فالتاريخ القريب يشهد أن من ظنّ نفسه خارج الدائرة كان أوّل من دخلها حين اكتمل الدور على غيره. ومن هنا، فإن استمرار هذا المسار ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجةُ تفرّقٍ وضعفِ وعيٍ بحقيقة المصير المشترك. وما لم يتحوّل هذا الوعي إلى مسؤوليةٍ عملية—تضامنٍ حقيقي، وتكاملٍ في المواقف، ورفضٍ لمنطق العزلة—فإن مسلسل الاستفراد سيستمرّ في حصد الجميع دون استثناء.
إنها لحظةُ إدراكٍ لا تحتمل التأجيل: إمّا أن يُعاد بناء جسور الثقة والتعاون، ويُستعاد معنى الأمة الواحدة في الفعل لا في الشعار، وإمّا أن يُترك المجال لتكرار الدائرة حتى تبلغ مداها. وحينها لن يكون السؤال عمّا جرى، بل عمّا كان يمكن فعله ولم يُفعل، وستحكم الأجيال القادمة علينا بقدر ما قدّمنا من وعيٍ ومسؤولية وعمل، لا بقدر ما رفعنا من شعارات ... إنها مسؤولية الجميع ... إنها سنن الله الغلابة ... والله غالب على أمره ... وهو من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري