إنا لله وإنا إليه راجعون.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
لله ما أعطى ولله ما أخذ.
انتقل إلى رحمة الله قبل قليل واحد من كبار علماء الجزائر وإطاراتها الأكْفاء، وهو الأستاذ الدكتور السيد الوزير: شمس الدين شيتور، رحمه الله، عن عمر يناهز 82 سنة.
فهو من مواليد ولاية برج بوعريريج في (13 أكتوبر 1944) من عائلة طيبة مجاهدة محافظة، خريج المدرسة الوطنية المتعددة التقنيات بالجزائر، تخصص هندسة كيميائية، ثم المعهد الجزائري للبترول، حاصل على دكتوراه في الكيمياء من جامعة الجزائر، ودكتوراه في علوم الطاقة من جامعة جان مونيه،
وهو أستاذ في الكيمياء الفيزيائية (كيمياء السطوح) (chimie des surfaces) واقتصاديات البترول (économie du pétrole).
كان وزيرًا للتعليم العالي والبحث العلمي، ثم وزيرًا للانتقال الطاقوي والطاقات المتجددة، وأخيرًا تم تعيينه عضوًا بمجلس الأمة عن الثلث الرئاسي التي يرأسها صديقنا العزيز الاستاذ ساعد عروس.
ولقد أثارت وفاته، رحمه الله، الكثير من الذكريات ، وتسابق إلى ذهني بعدها العديد من الأسماء والصور التي تعود إلى سنة 1980 (قبل 46 سنة).
دخلنا جامعة سطيف كأول دفعة لما فتحت أبوابها سنة 1978.
ثم بعد سنتين، 1980، تم تعيين الأستاذ الدكتور ( شمس الدين شيتور رحمه الله )، ثاني مدير للمركز الجامعي سطيف، خلفا للاستاذ الدكتور ( بخاري ) الذي استدعي ليكون أمين عام وزارة التعليم العالي التي كان على رأسها الوزير ( عبدالحق برارحي ) ...
قضينا سنتين في الجذع المشترك للعلوم الدقيقة، ومع مجيء السيد شيتور ، أنهينا الجذع المشترك وعلينا اختيار التخصص وبدأ التسجيل، كانت شهادة البكالوريا التي دخلت بها للجامعة في تخصص الرياضيات، كان طموحي أن أسجل في الإعلام الآلي، كانت هناك طاولات وراءها كاتبات تقمن بعملية التسجيل، ذهبت للتسجيل في الإعلام الآلي، فوجدت عددًا كبيرًا يقارب أو أكثر من خمسين طالبا ينتظرون الدور للتسجيل في الاعلام الآلي، وليس بعيدا كانت كاتبة أذكر اسمها، السيدة نبيلة، جالسة وراء مكتب وليس معها أحد، فقلت لها: ماذا تسجلين؟ ما هو التخصص؟ قالت: أسجل الطلبة الذين يرغبون في تخصص الكيمياء ولم يأتي أي أحد.
سألتها: والذين يسجلون هنا، أين يدرسون؟
قالت: إذا كان العدد ستة طلبة أو اكثر سيدرسون هنا في سطيف، وقد تم تعيين الأستاذ ( تجار فاروق ) ليشرف على قسم الكيمياء إذا وُجد من يسجل. أما إذا كان العدد أقل من ستة، فيُحالون إما إلى جامعة قسنطينة أو إلى جامعة الجزائر العاصمة.
كان معدلي في الكيمياء عاليًا جدًا، وكانت تستهويني الدراسات الكيميائية، ولكن لم تكن لي رغبة واضحة فيها. فلما قالت لي إنها تسجل كيمياء ذهبت إلى أحد الأصدقاء الذي أصبح بعد ذلك صديق العمر، الطالب آنذاك الأستاذ العربي زروال، الذي أكملنا معا المشوار الدراسي في الجزائر وفي الخارج، ثم لما رجعنا أصبح رئيس المجلس العلمي، فقلت له: ماذا تريد أن تسجل؟ قال : أريد أن أسجل كيمياء، أخبرته بالانر، وبدأنا نبحث عن الطلبة الذين لهم رغبة في التسجيل في الكيمياء، أو نقوم بترغيبهم فيها، فأول من رغبناه كان الأستاذ ( شلالي نصر الدين)، الذي أصبح بعد تخرجنا أستاذًا في جامعة سطيف، ثم نائب رئيس المجلس العلمي، ثم عُيِّن أول مدير لجامعة برج بوعريريج (جامعة الشيخ البشير الإبراهيمي). ثم ذهبنا إلى الأخ (الحسين جلاب) وهو الآن مقيم في كندا وله عمل كبير في مجال الكهروكيمياء، ثم ذهبنا إلى الطالبة ( شودار دليلة) ، ثم ( لوعيل نصيرة) ، ثم ( ذيب زبيدة) ، ثم ( كحول عبدالكريم ) ثم ( العيد مخلوفي ) وهكذا تحصلنا على العدد المطلوب، ففرحنا وسجلنا في الكيمياء، وازددنا فرحا لما علمنا ان المدير الجديد للمركز الجامعي سطيف هو تخصص كيمياء، والتحق بنا من جامعات أخرى طلبة آخرين أذكر منهم ( مبارك بن تهامي، نساخ بلقاسم، بوعمامة، حمودي )
وانطلقنا في الدراسة للسنة الثالثة والرابعة لنيل شهادة ( الدراسات العليا DES )
وكان للأستاذ ( شمس الدين شيتور ) دور كبير في دعم تخصص الكهروكيمياء، حيث عيَّن الأستاذ فاروق تجار، وهو أستاذنا، وكان له الفضل علينا في الولوج إلى البحث العلمي. فأسسنا معه أول فرع للكهروكيمياء على المستوى الوطني، وقمنا بأعمال كبيرة، وقام الرجلان بدعم مخبر الكيمياء بجامعة سطيف، وجلب عددًا لا بأس به من الأساتذة من رومانيا وهنغاريا وفرنسا. أذكر جيدًا الأستاذ ( بوبيسكو) الذي درّسنا الكيمياء التحليلية chimie analytique، وكذلك الأستاذة (شيطانوفا) والاستاذ ( يوتسوف ) درّسنا عندهمت الكيمياء العضوية، والاستاذ ( قوفييه ) الكيمياء الكمية ، والاستاذة ( ماري بورقو ) علم البلورات، كما درّسنا عند الاستاذ شمس الدين شيتور مقياس كيمياء السطوح ... وفي عهدته على رأس جامعة سطيف أخذنا منحة دراسية الى الخارج جامعة قرونوبل ...
وبعد رجوعنا إلى أرض الوطن استمرت علاقتنا به، وأذكر جيدًا أنه كان عضوًا في لجنة الدكتوراه للأستاذ فاروق تجار، وكان هو المقرر الذي قدم التقرير النهائي. ثم تطورت علاقاتنا، وأصبحنا نتعاون في مجالات كثيرة بين جامعة سطيف ومختلف جامعات الوطن، خاصة وانا مدير الدراسات العليا بها، وقبلها كنت مدير قسم الكهروكيمياء الذي أسسناه في ذلك الوقت، وهو الآن تخصص تحت عنوان علم الطرائق (génie des procédés).
ثم لما تم تعيينه وزيرا لم تنقطع اتصالاتنا سواء مع في الاستشارات أو التواصل العادي، وآخر ما كان بيننا في المجال العلمي هو أننا بدأنا التفكير في إنشاء وحدة متخصصة في ( تخزين الطاقة الشمسية ) فلقد كان مولعا بالطاقات المتجددة، ولكن لم نتمكن من إيجاد الصيغ العملية لها ... أما آخر لقاء به رحمه الله فكان في بيته في ( بابا حسن بالعاصمة ) قبل ثلاثة أشهر ... كما كانت لي زيارة له في مجلس الأمة ... ولقد كانت له اسهامات علمية معتبرة وتخرج على يديه الإلاف من الدكاترة والاساتذة في تخصصات الطاقة والبترول والكيمياء ....ولقد يسر الله لي أنني بلغت عن وفاته كل الاحباب والاصدقاء ... رحمه الله وأسكنه فسبح جناته ... وان شاء الله ستكون الجنازة في مقبرة بابا حسن غدا بعد صلاة الظهر .
د. عبدالقادر سماري

