في العادة أكتب عن الفعاليات التي أدعى إليها، أو عن الأشخاص الذين ألتقيتهم، أو عن الاوضاع الراهنة، او عن بعض التخصصات التي لي بها شيء من المعرفة والاطلاع … أما اليوم فسأكتب عن الأماكن، فهي أيضًا لها حق علينا، خاصة إذا كانت مشبعة بالرمزية، ناطقة بالصمت، شاهدة على ما لا يُقال.
في العادة أكتب عن الفعاليات التي أدعى إليها، أو عن الأشخاص الذين ألتقيتهم، أو عن الاوضاع الراهنة، او عن بعض التخصصات التي لي بها شيء من المعرفة والاطلاع … أما اليوم فسأكتب عن الأماكن، فهي أيضًا لها حق علينا، خاصة إذا كانت مشبعة بالرمزية، ناطقة بالصمت، شاهدة على ما لا يُقال.
والقصة بدأت قبل أيام حين زارتني ابنة أختي الآنسة (صفية حناشي) حفظها الله، قادمة من فرنسا، تحمل في وجدانها شوقًا لمدينة سمعت عنها كثيرًا ولم ترها عيناها قط: قسنطينة.
طلبت مني أن أرافقها إليها، وما كان مني إلا أن أُلبي طلبها … بل صادف ذلك رغبة قي نفسي، فهذه المدينة ليست مجرد مكان مررت به، بل هي مرحلة من حياتي، فصل من مسيرتي الدعوية والسياسية، يوم كانت مقرا لقيادة الشرق الجزائري في أواسط الثمانينات.
فكان الموعد أمس السبت 29 أفريل 26، خرجنا من سطيف صباحا، ووصلنا قسنطينة عند منتصف النهار، ركنا السيارة مقابل مديرية التربية، وبدأنا جولتنا مشيًا على الأقدام نحن الثلاثة، صاحب هذه الكلمات وصاحبة الفكرة وأم الاولاد … كل واحد منا له في هذه الزيارة مبتغى .
حددنا الاماكن التي نقصدها وتركنا هامشا للمفاجآت والمستجدات...
كانت أول محطة قصر الباي…
هناك الجدران والغرف والممرات تخاطبك، تقول لك بأنك يمكن أن تصل إلى أعلى درجات وملح والريادة ... ولكن احذر فقد تسحب منك ... في جنباته أكاد أسمع خطوات رجال كانوا يديرون شؤون أمة. فهو ليس مجرد قصر للحياة الرغدة، بل رمز لسيادة كانت، وعزٍّ مرّ من هنا ... لم أستطع أن أفهم كيف انهار ...
قلت لصفية: هنا كان القرار يُصنع، وهنا كانت السيادة ثم زالت ... هنا كان رجال حملوا همّ الأمة، فلقد مر به صالح باي، وأحمد باي وغيرهما ولكل واحد قصص تروى وأغاني ترنم بها أهل المنطقة ... كان بهذا القصر لحظات عز وفترات ألم ...
ثم انتقلنا إلى سجن الكدية…
ونحن نمر بمحاذاته قفز الى ذهني أمران، واحد عام مؤلم، والثاني شخصي،
أما العام فهو أحوال عشرات بل مئات إن لم أقل الآلاف من المجاهدين والشهداء الذين أُقتيدوا إلى هذا السجن وعرفوا ألوان التعذيب ومحاولات الاستنطاق فما ضعفوا ولا وهنوا ولا استكانوا... وكأني بأنين من مرّوا من هنا لا يزال معلقًا في الجدران.
تأملت المكان وقلت: هنا لا تُزار الحجارة، بل تُزار الآلام، واجبنا تجاه هذا المكان أن لا ننسى… لأن النسيان خيانة صامتة، وأن نُورّث لأبنائنا معنى الحرية التي كُتبت بالدم والدموع.
أما الخاص ففي هذا المكان من سنة 1977، وقد بلغت الثامنة عشر من عمري، جئت مع بعض الأصدقاء ملبيا الاستدعاء الخاص من مركز التجنيد للقيام بالفحص الطبي للخدمة الوطنية، وكانت النتيجة (( قابل للتجنيد )) ... وفعلا بعد 10 سنوات لما أنهيت الدراسة وبدأت الحياة العملية إلتحقت بمدرسة الضباط بالبليدة ورديت الخدمة الوطنية...
ثم أكملنا الطريق مباشرة نحو قنطرة سيدي مسيد…
نظرت صفية إلى العمق، إلى الوادي السحيق، فشهقت.
قلت لها: هذه المدينة تعلمنا شيئًا عجيبًا… أن الحياة جسر، وأن الثبات لا يكون إلا لمن يجرؤ على العبور.
هذا الجسر ليس فقط هندسة، بل درس: يعلمنا بأن بين الخوف والإقدام شعرة… كل نوع من العبور له متطلباته ... في نهاية الجسر يوجد
المستشفى الجامعي ابن باديس…
وهنا… لم أعد مرشدًا، بل صرت ابنًا.
توقفت قليلًا، وصمتُّ طويلًا.
في هذا المكان، سنة 1986، كان يرقد أبي سيدي عمار رحمه الله أثناء مرضه، في هذا المستشفى ، ذات يوم، يخبرني الطبيب، صديقنا ناصر ع لي، الخبر الاليم، الذي مازلت أحس مرارته، قال لي: أن والدك – سيدي – مصاب بالسرطان، وقد انتشر في جسده كله، ولا أنل في العلاج.
كلمة سرطان في ذلك الوقت كانت مخيفة، مرعبة،
كانت صدمةً هزّتني من الداخل… لكني أخفيتها عنه، وبقيت معه.... كنت أبتسم له ونحن في طريقنا الى سطيف، وأكتم وجعي، إلى أن وافاه الأجل بعد أربعة أشهر.
قلت لصفية: بعض الأماكن لا نزورها… بل تعود بنا إلى أنفسنا.
وهذا المكان علّمني أن الصبر ليس كلامًا، بل موقف… وأن البر ليس شعورًا، بل تضحية صامتة ... تحملت وطأة الذكرى، ولم أكن مستعدا لأفسد عليها جولتها ...
بين المستشفى والحسر يوجد ممر، يوصل إلى أعلى الصخرة حيث ينتصب ما يسمونه :
التذكار monument
عند تذكار الاموات Monument aux morts
دشنه الرئيس الفرنسي سنة 1930 بمناسبة 100 سنة على احتلال الجزائر، وكان تخليدا لسكان قسنطينة الذي ماتوا في الحرب العالمية الاولى،
هناك لا تقرأ أسماءً فقط، بل تقرأ تاريخًا كُتب بدم رجالٍ لم يختاروا معركتهم.
هو نصبٌ يلمع كقوس نصر، لكنه في أعماقه سؤال موجع: كيف يُخلَّد من ماتوا في حرب لم تكن حربهم؟
يقف منتصبا فوق وادي الرمال، كأنّه شاهدٌ صامت على زمنٍ استُخدم فيه الإنسان الجزائري وقودًا لمجد غيره.
واجبنا تجاهه أن لا نمرّ مرور العابرين، بل أن نفهم ما حدث، لئلا يُعاد التاريخ في صورةٍ أخرى ... ومع كل ذلك فالمكان له طابع سحري ترى من خلاله قسنطينة، والسهول والهضاب المحيطة بها ... منظر يخطف لباب العقل ... كم هي رائعة تلك التحفة ... ونحن واقفون نتأمل يقترب منا شاب ببدلته الزرقاء الخاصة بالحماية المدنية، ويقول لنا : هل تسمحون لي بأن ألتقط لكم صورا من هذا المكان، وآخر معكم صورا ... تعجبت لأمره، ثم دققت النظر، وكما نقول في سطيف ( دنقت ليه مليح ) إنه رابح بن زاوي حفظه الله، أحد أصهارنا، الشاب المؤدب، فكان السلام والمصافحة والعناق ... أخذنا معه صورا ثم رجع الى عمله، كانوا يقولون بتدريبات التسلق بالحبال عبر تلك الصخور وتلك الأودية...
ثم ... رجعنا أدراجنا ... أنصح من يمر بين جسر سيدي مسبد وقصر الباي ان يتوقف لشراء ( البراج بالغرس ) لها طعم خاص ...
وصلنا إلى قنطرة صالح باي… هذا الجسر الذي يعبر عن قدرة الجزائري في الانجاز، وهو يوصل بين أطراف قسنطينة ( الزيادية ووسط المدينة القديمة مرورا إلى الجامعة الاسلامية )،
جسر حديث، شامخ تم تدشينه سنة 2014، كأنه يقول: نحن لا نعيش على الماضي فقط، بل نبني الحاضر، ونتهءأ للمستقبل ...
قلت لهما: الأمم التي تحترم تاريخها، هي نفسها التي تبني مستقبلها.
وهذا الجسر رسالة: لا تعارض بين الأصالة والمعاصرة… بل التكامل هو الطريق ... وانا ألمحه ذكريات بجسر ( إدنبرة ) في سكوتلندا كأنه صورة مصغرة عنه .
ثم مررنا الى قنطرة سيدي راشد… هو جسر من أقدم الجسور الحجرية ،
بأقواسه المتتابعة، كأنها عقد من الزمن 27 قوسا.
قلت: انظرا… كم يشبه هذا الجسر حياة الإنسان، كل قوس مرحلة، وكل مرحلة تحتاج صبرًا لتصل إلى التي بعدها.
العظمة ليست في القفز، بل في الاستمرار ...
هناك أخذ منا التعب والجوع والعطش مأخذه، كان الجو حار نسبيا، غير بعيد بين الجزارين والسويقة، في شارع العربي بن مهيدي مطعم، ( مطعم ايغراسن )، خطوتين نحو الداخل يقابلك منظر ولا أروع، وادي سحيق العمق، ثم سلسلة من الجسور المتتالية الاي تربط أطراف الصخور التي بنيت عليها قسنطينة، منظر سارونه في الفيديوهات، خمس دقائق بعد أن أخذنا أماكننا، بدأ الرعد، تغير كل شيء بالخارج، يا سبحان الله، سبحان مغير الأحوال، الأمطار تنهمر خيطا من السماء ... هو وحده يدبر الأمر ... يعجز اللسان عن وصف هذا التغير، وعن وصف ما بداخلنا من تعجب ولا عجب في أمر الله، لو بقينا في الخارج خمس أو عشر دقائق أخرى لكانت كل أثوابنا مبللة ولكن لطف الله ... لداخل المطعم شبان وشابات يقومون على راحة وطلب الزبائن، أدب، وحسن، وجمال، وخدمات في أرقى الصور ... الجزائري إذا أحب أن يتقن شيئا أتقنه ... لسنا أقل من غيرنا ... راقت لنا الجلسة ... أخذنا الوقت الكافي واللازم ... يا سبحان الله مرة أخرى... حين أنهينا جلستنا وهممنا بالخروج ... تغير كل شيء من جديد صحو كامل، سماء زرقاء، لا أثر في جو السماء للمطر ... شكرنا الله وحمدناه ... أحسسنا أن هذا الأمر كان لنا وحدنا ... متعة اللهم لا تحرم منها كل مومن ...
مقابل المطعم ... قسنطينة القديمة ... دلفنا في دروبها ، إلى أن وصلنا عند باب الجامع الأخضر… وهنا هدأت الروح .
هذا ليس مسجدًا فقط، بل مدرسة، منارة، تاريخ من العمل الدؤوب والتضحية الغالية والجهد العزيز والفهم الرصين .
أكاد أسمع دروس العلماء، وهم يشحذون الهمم، وينيرون الدرب، وصوت عبد الحميد بن باديس وهو يوقظ الأمة.
قلت: هنا صُنعت العقول، وهنا عُقد العزم، وهنا كان التحضير للقسم … هنا كان العلم من أجل إحياء أمة ظن الغزاة الظالمين أنها ماتت، رحت أسائل نفسي : من هم الذين مروا من هنا معلمينا ومتعلمين ... قد لا نعلمهم، لا يضرها جهلنا بهم، فالله يعلمهم.
ثم على بعد خطوات منه يوجد المكان الذي انطلقت منه شرارة أحداث قسنطينة 1934 … تلك الأحداث أو المظاهرة التي خرج فيها الجزائريون المسلمون منددين ورافضين لسلوك اليهود الذين أساؤوا للمقدسات الاسلامية ...
وقفتُ هناك، وقلت: التاريخ يعيد الكثير من الاحداث، وكل الاحداث دروس ... الشرف مقدس، وحين يهان يجب ان يفرز غضبا، والكرامة حين تُمس يجب أن لا تسكت.
واجبنا اليوم أن نحمي مقدساتنا أن ننتفض أن نقول آآآه، وهل هناك شرف وكرامة وقداسة أكبر من بيت المقدس ... ولا أنين ولا غضب ولا إعداد ولا إستعداد.
قبل مغادرة المكان : أحسست أنني صغير صغير جدا أمام عظمة المكان وأطياف الرجال الذين عايشوا الحدث ... غادرته وأنا لست أنا ...
ثم وصلنا إلى مقر جمعية الإرشاد والإصلاح لولاية قسنطينة في الجزارين ... هنا شعرت أن الروح عادت إلى مسارها ... مقر بسيط متواضع كان مركز ومنطلق العمل في التربية والتعليم والتوجيه والدعوة والتكوين لكل الشرق الجزائري 15 ولاية … لو نطقت جدرانه لذكرتْ أسماء كاد ينساها هذا الجيل، منهم من قضى نحبه رحمهم الله ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ...
هذا المكان البسيط جدا، كان كلية النحل، منه انطلقت عمليتي الارشاد الإصلاح بكل ما تحمله من معنى، في وقت صعب أواخر الثمانينات من القرن الماضي،
الرجال والنساء ابذين كانوا هنا ليسوا مجرد ذكريات… بل مشاريع لم تكتمل ... وسيقيض لها الله من يستكملها، ذاك وعد غير مكذوب.
قلت: واجبنا أن نواصل، لا أن نُحيي الذكرى فقط.
الإصلاح لا يُحكى فقط … بل يُعاش أيضا .. . أمام بابها المغلق وجدت رجلين كهلين تجاوزا الخمسين خريفا كانا مارين بمحاذاتها، استوقفتهما، قلت لهما هل تعرفان هذه الجمعية ،
قالا: نعم إنها الأمل منذ بداياتها ونحن بعض نتاجها، أحدهما دكتور وأستاذ في للاقتصاد بجامعة قسنطينة... دردشت معهما بعض الوقت ... وقفت أتذكر بعض الاسماء من من مروا هنا في جلسات الذكر، وجلسات العلم، وجلسات التعبئة، وجلسات الاعلام، وجلسات التخطيط هم بالآلاف دون مبالغة لن أستطيع ذكر الجميع حتى وان أحببت ولكن سأذكر نماذج منهم :
الذين فارقونا لدار الخلد : الاساتذة والمشايخ شرفي الرفاعي، علي العايب، عرفة بوعامين، ياسين، مراد، عبد العزيز، حسان عيايشة، سالم سعود، نورالدين لعشوري ... وآخرون رحمهم الله.
ومن الأحياء نماذج :
الأساتذة: عبدالسلام قطوش، صالح غواطي،بوجرة سلطاني، محمد باوني، عبدالغاني، عاشوري عبدالرزاق، اليزيد، عاتي احمد، الوردي، كافي، حزام نصر الدين، محمد خيط، العربي، توفيق، مخلوف، عيسى بن مرزوق، كمال، عبدالسلام، عبدالحميد، علاوة، هارون، عبدالكريم، عبدالجليل، نورالدين، عبدالمجيد ... حتى وإن لم أكتب الاسماء فإن اطيافهم ماثلة أمام عيني، والله يعلمهم ، حفظهم الله ورعاهم ... للمتابعين حق الإضافة ...
ختام رحلتنا عند جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية … هناك تذكرت بداياتها التي كنا نتابعها رغم ان تخصصي علمي ... تذكرت ما رواه لي الشيخ الوزير سيدي عبدالرحمن شيبان رحمه عن قرار إنشائها، والعزم الذي كان عند السبد الرئيس الشاذلي بن جديد رحمه الله، وبعض المقاومات من أطراف معروفة، تذكرت أول لقاء كان لي مع فضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله وهو رئيس مجلسها العلمي، تذكرت أول لقاء مع الاستاذ الدكتور عمار طالبي وهو أول مدير لها حفظه الله، تذكرت جحافل العلماء الذين تداولوا على كراسي التعليم والتوجيه والتأطير، وتذكرت العديد من الطلبة والطالبات الذين مروا من هنا وهم الآن يصدحون بما نالوه من مختلف العلوم ... كانت صورة شقيقتي إبنة أمي وأبي ، الدكتورة نونة، ماثلة امام عيني كيف جاهدت حتى تلتحق بهذه الجامعة وتنال بها أعلى الدرجات ... وقفت أمام هذا الصرح طويلا، ثم دخلنا مسجد الجامعة وصلينا الظهر والعصر جمعا وقصرا ... قلت في نفسي هذا ليس مبنى… بل وعد وعهد يجب ان يستكمل ليُعيد للأمة توازنها.
عدنا في المساء… لكني شعرت أننا لم نعد كما خرجنا.
كانت رحلة الى المكان … لكنها في الحقيقة كانت رحلة في المعنى والزمان .
وقسنطينة مثل كل مدن وقرى ومداشر جزائرنا الحبيبة … ليست أماكن تُزار فقط، بل ذاكرة تُستعاد، ودروس يُتأمل فيها ، وأمانة تُحمَل على الكاهل، وأمل يدفع إلى العمل ... إلى أبناء وبنات وطني تعرفوا على وطنكم، تعرفوا على نساء ورجال وطنكم ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري







