إن لم تستطع القراءة تمعن بالصور والفيديوهات لعلك تعرف أحدا أو يعجبك منظرا ...
إن لم تستطع القراءة تمعن بالصور والفيديوهات لعلك تعرف أحدا أو يعجبك منظرا ...
عودة إلى ميلة ... فمن حقها علي أن أنشر بعض ما كان ...
لم تسعفنا الظروف للكتابة عن زيارتنا الى ميلة في حينها ...
لما كلمني صديقنا العزيز، عضو المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الاستاذ الدكتور ( كواشي مراد ) حفظه الله، واخبرني عن اليوم الدراسي في مدينة ( ميلة ) وطلب مني المشاركة، وافقت دون تردد لمعرفتي بذوقه واهتمامه ، وأجلت بعض أموري ...
ثم جاءت الدعوة من مجلس قضاء ميلة ... للمشاركة في اليوم الدراسي الموسوم ب :
( الأمن القانوني وأثره على التنمية الاقتصادية)
وبالفعل شاركنا بمداخلة تحت عنوان :
(دور مؤسسات العدالة في تجسيد الامن القانوني وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة ) ...
كما استمعنا الى عشر مداخلات أخرى من تقديم الاساتذة، بالإضافة إلى المداخلات الرسمية ...
الملتقى كان ناجحا بجميع المقاييس :
- من حيث طبيعة الموضوع وتميز المداخلات
- من حيث عدد ونوعية الحضور ومستواهم
- من حيث النقاش والحوار حول المواضيع التي طرحت
- ومن حيث التوصيات التي خرج بها المجتمعون ...
*** غير ان هناك أمور أخرى أعطت للزيارة نكهة إضافية ستبقى محفورة في الذاكرة أذكر منها على الخصوص :
* أن المسؤولين المحليين لم يغادروا قاعة المؤتمرات طيلة الاشغال، كما انهم شاركوا في النقاش والحوار، فلهم مني شخصيا كل آيات التقدير والاعتراف، وعلى الخصوص السيد والي الولاية، والسيد النائب العام، والسيد رئيس المجلس.
* ولهم العلامة الكاملة على حسن الاستقبال وحسن التنظيم وحسن تسيير الجلسات وعلى الخصوص النائب العام المساعد السيد سالم صابر .
* أما الشيء الذي أبهر جميع المشاركين فهي تلك الزيارة التي أكرمونا بها إلى سد بني هارون، هذا السد الذي أعرفه، وزرته عدة مرات ، أما هذه المرة، فكانت زيارة إتصال مباشر مع السد، الذي يعتبر ثالث أكبر سد في افريقيا، اطلعونا على كيفيات نزع الطمي، وكيفيات التفريغ عند الامتلاء، وكيفية الصيانة لمختلف أجزائه ... ثم دخلنا في النفق الذي يمر تحت الماء ... تذكرت أغنية عبدالحليم حافظ (( إني اتنفس تحت الماء )) ولكننا لم نكن نغرق ... كنا نستمتع بالاستماع للشروحات التقنية وفَوْقَنا ملايين الاطنان من الماء .
* ثم تلك المناظر الخلابة مع غروب الشمس من خلال التضاريس التي أبدعتها يد الخالق سبحانه وتعالى،
* ولن أنسى شروحات السيد النائب العام للعمل العلمي والمنهجي الذي يقومون به في ميلة لحماية أبنائنا من آية المخدرات ... أتمنى ان تعمم التجربة على كامل ولايات القطر .
* **** أما فيما يتعلق بي شخصيا فقد اغتنمت فرصتين، الاولى ليلة وصولي، والثانية عند خروجي من ميلة،
* ففي الاولى، قبل وصولي ميلة، التي اعرفها منذ أكثر من 40 سنة، وكانت لي بها عدة انشطة وأصدقاء، تواصلت مع بعض الأحباب، جولة ليلية الى منطقة ( باينان ) كنا أربعة :
* - الدكتور عمر مبارك منصوري
* الدكتور شريف بلعربي
* الاستاذ عبدالعالي قشيشو
* وصاحب هذه الكلمات ، ثم التحق بنا السبد النائب السابق مهدي زنتوت ... قضينا امسية طيبة ... وعند عودتنا الى ميلة، توقفنا في مدينة (رجاص ) ... تذكرت رجلا من رجالاتها الذي كان له الفضل بعد الله في إرساء دعائم الفكر الوسطي المعتدل في ولاية (ميلة) لما كان التطرف هو السمة الغالبة ... فلقد كان هو أول مسؤول المنطقة لما اعتمدت (ميلة) كمنطقة في العمل الدعوي الذي كنا نشرف عليه في الشرق الجزائري أواسط الثمانينات قبل الانفتاح السياسي، إنه الأستاذ الفاضل صاحب السمت الإيماني والأدب الجم ( كروم عبدالمجيد ) حفظه الله، تواصلت معه عبر الهاتف، عرفني مباشرة رغم طول الغياب، ثم قصدنا بيته وقد قاربت الساعة منتصف الليل، كأننا أيام زمان، استقبلنا مع إبنه، سبقته العبرات قبل الكلمات، ورحنا نتحاذب أطراف الحديث، ذكرني ببعض الأمور التي كنا نقوم بها، منها لقاء مع الشبخ بوسليماني رحمه الله في بيتي بمدينة سطيف، وكيف كان يقشر البرتقال ويناولنا إياه برجا برجا، كانت الدمعات تنهمر من عينيه على وجنتيه ... لم نُطِل البقاء عند الأستاذ ( كروم )، ولكنها كانت مدة كافية لشحن البطاريات الإيمانية ... افترقنا على دعوات سائلين الله ان يتقبلها ... بعد ان تذكرنا بعض الافاضل الذين غابوا عنا من امثال : علاوة، عبدالحميد، صالح، عثمان، عبدالجليل، صالح رحمه الله ... وآخرون من رواحل ميلة في زمن لم يكن سهلا ...
* أما الثانية فكانت مع التراث والتاريخ، مع مَعْلَم لم تستغله الجزائر، ولم تعطه حقه، ولم تثمنه ... عمره أكثر من 1300 سنة، يرجع إلى سنة 59 هجرية، 679 ميلادي، إنه مسجد ( أبي المهاجر دينار ) الذي هو أقدم مسجد بالجزائر، وثاني أقدم مسجد في شمال أفريقيا بعد القيروان ... كم نحن زهاد فيما عندنا، بل كم نحن مضيعين ما عندنا، هل هو الزهد أم اللامبالاة ...
* وأخيرا أقول أن تلك الزيارة الى ( ميلة ) كانت قيمة مضافة لحياتي مثل معظم تنقلاتي، فلقد جددت اللقاء مع أحباب وأصدقاء ربطتني بهم روابط الدين والوطن، وتعرفت على آخرين بنفس المنطلق، خدمة الدين والوطن، وكلنا أمل أن نضيف شيئا ينفع ... وصدق القائل *** سافر ففي الأسفار خمس فوائد *** أقول : لعلها أكثر من خمس ... لو استرسلت في الكتابة عما كان، لجاء ذلك في كتاب كبير ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري





