ليست كل الرحلات تُقاس بالمسافات…
ليست كل الرحلات تُقاس بالمسافات…
فهناك رحلات تُقاس بما تُوقظه في الروح من معانٍ، وما تُعيده إلى القلب من حياة، وما تزرعه في النفس من وفاء واعتزاز وانتماء …
هكذا وأكثر كانت رحلتنا ، يوم السبت إلى شمال ولاية سطيف
إلى مدينة قنزات ،
وبالضبط إلى زاوية أوقري،
تلبية لدعوة كريمة جاءتني من الاخ الصديق الأستاذ الدكتور يونس قرار حفظه الله ، رئيس الجمعية الدينية لجامع اوقري.
فكانت رحلةً متعددة الوجوه والغايات والنيات والمنافع ،
اجتمعت كلها في معنى واحد: العودة إلى الجذور… إلى الأصالة… إلى الجزائر العميقة التي صنعت الرجال، وربّت الأجيال، وحفظت الدين والوطن والهوية والشعب والقيم والاخلاق .
كانت رحلةً روحيةً خاشعة، ونحن نستحضر تلك الخلوات المباركة، وتلك الجدران التي تعاقب عليها العلماء والعُبّاد والذاكرون والمجاهدون والمصلحون ، رجالٌ عمروا الليل بالقرآن، والنهار بالعلم والتعليم والإصلاح والجهاد … كم من دعوةٍ خرجت من هنا! وكم من قلبٍ أُحيي في رحاب هذه الزاوية! وكم من عالمٍ ومربٍّ ومجاهدٍ نهل من معينها الصافي!
وكانت أيضًا رحلةً تاريخية، عدنا فيها بذاكرتنا إلى بدايات تأسيس هذه الزاوية المباركة قبل ثلاثة قرون، يوم كانت الزوايا حصونًا للعلم، وملاجئ للهوية، ومدارس لصناعة الوعي، ومشاعل تنير ظلمات الجهل وتدحر أركان الاستعمار.
وكانت كذلك رحلةً ثوريةً وطنية، استحضرنا فيها أرواح المجاهدين والشهداء الذين مرّوا من هنا، والذين قدّموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله ثم في سبيل الجزائر، رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فصنعوا بدمائهم مجد وطن، وكتبوا بآلامهم صفحة الحرية والكرامة.
كما كانت رحلة وفاء واعتراف بالجميل، لرجلين عظيمين قدّما الكثير للإسلام وللجزائر الكثير ، وكانت لهذه الأرض المباركة بصمتها في مسيرتهما وعطائهما ... هما : الايتاذ مالك بن نبي، والاستاذ عبدالوهاب حمودة، رحمهما الله … فالرجال العظماء لا يموتون، ما دامت آثارهم حيّة في النفوس، وما دام الوفاء يسكن القلوب.
ثم كيف لا تكون رحلةً سياحيةً آسرة، وقد اجتمعت فيها روعة الطبيعة بجلال التاريخ!
جبال شامخة، وحقول ممتدة، وأودية تنساب كأنها تسبّح بحمد الله، وهواء نقي كأنه قادم من زمن الطهر والبساطة… هناك تشعر أن الأرض ما زالت تحتفظ ببعض بركتها الأولى.
أما أجمل ما في الرحلة، فكان هذا اللقاء الإنساني الايماني الأخوي النادر… أبناء وطن واحد جمعهم الحب والوفاء قبل أن تجمعهم الطرقات.
أحباب قدموا من تلمسان، والوادي، والعاصمة، وسكيكدة، وسوق أهراس، ومن سطيف وبرج بوعريريج وبجاية والمدن المجاورة … بعضهم لم يلتقِ منذ أكثر من خمسين سنة، فإذا بالقلوب تتعانق قبل الأيدي، وإذا بالذكريات تبكي فرحًا بعد طول غياب.
إنها الجزائر حين تجتمع على المحبة…
الجزائر التي تحفظ رجالها، وتكرم علماءها، ولا تنسى شهداءها، وتظل زواياها منارات نورٍ مهما تغيّرت الأزمنة.
كلنا كنا نبتهل إلى الله اللهم احفظ الجزائر وأهلها، وبارك في علمائها ومصلحيها وشبابها، وأصلح حكامها ونخبها، واجعل هذه الأرض الطيبة أرض علم وذكر ووحدة وخير إلى يوم الدين ...
والآن ونحن على مشارف العشر ذي الحجة وبركاتها ، وقريبا يوم عرفة، علينا ان لا نبخل على أنفسنا واهلينا وشبابنا ووطننا وامتنا بالدعوات الصادقة عسى الله ان يصلح أحوالنا وينقلنا من حال إلى أفضل حال ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري





