الدكتورعبد القادر سماري

هكذا هم الرجال ...

هكذا هم الرجال ...
قد يختلف الرجال، وتثقل القلوب بكلماتٍ في غير محلها ، وسوءِ فهم، حتى يُخيَّل للناس أن الود قد مات…
لكن يهيء الله ظروفا فيعود الرجال إلى معدنهم الأصيل، ينكسر الشيطان، وتعود القلوب أنقى مما كانت…
فالصخبة والعشرة يجب ان لا لتُهدم بكلمة.
قبل يومين جاءني الآخ الأستاذ ( العمري) حفظه الله، وأخبرني أن سوء تفاهم وقع بين رجلين من معارفنا ومن كبار رجال مدينة سطيف، وأن الأمر قد يتطور إلى مفاصلة وقطيعة لا تليق برجال عرفوا بالمروءة والأصل الطيب ولهم صحبة طويلة .
اتصلت بالأول، فاستمعت إليه، وفهمت منه ما حدث من وجهة نظره، وهونت عليه الأمر، ثم اتصلت بالثاني، ففسر لي ما وقع كما يراه وأن هناك سوء تفاهم … فقلت له يجب زيارة صاحبنا ...
لما سمعتهما كل واحد على انفراد، أدركت أن كثيرًا من الخصومات لا يصنعها الحقد، بل يصنعها سوء الفهم، وتضخم الكلمات، وتدخل الشيطان بين القلوب.
وفي صبيحة الأمس، اتصلت بالأول، وقلت له: “أريد أن أشرب عندك كأس شاي”، ولم أخبره أن صاحبه سيأتي معي… وكعادته فرح بزيارتي له لأن علاقتنا ترجع لينوات منذ كان والده على قيد الخياة ، رحمه الله .
ولما وصلنا إلى مكتبه، استقبلنا من بعيد قائلاً:
“السلام عليكم… أهلاً وسهلاً… معك الحاج…”
ثم اقترب، تصافحنا ، ثم أن مرافقي قبّل رأس صاحبه في مشهد أذاب ما بقي من الجليد قبل أن نجلس.
جلسنا… فحمدت الله وشكرته، وتبادلنا كلمات المجاملة والدعاء، ثم ذكّرتُهما بوالديهما الكريمين، اللذين كانت تربطني بهما علاقة طيبة منذ أكثر من أربعين سنة… وكيف كان الرجال قديمًا يختلفون ولكنهم لا يقطعون حبال الود.
ثم فتحنا ملف سوء التفاهم الذي يعود إلى ما قبل رمضان الماضي…
كان هناك عتاب… وشرح… وتوضيح لبعض الغوامض… وتقارب في الرؤى…
ومن حين إلى آخر كنت أتدخل بكلمة هادئة تعيد دفء القلوب، وتذيب ما بقي من آثار الخصام.
وكان أجمل ما في الجلسة أن كل واحد منهما، رغم العتاب، كان يتحدث عن الآخر بما يليق بقيمته ومقامه… وهنا أدركت أن الخير لا يزال ساكنًا في النفوس، وأن الرجال الحقيقيين قد تغضبهم المواقف، لكنهم لا يسقطون في صغائر النفوس.
وبفضل الله، انتهى اللقاء بتفاهم وصفاء ومسامحة…
وقبل المغادرة تضرعنا الى الله بدعوات … ثم ونحن واقفون، بدأ الحديث بينهنا عن أمور سينجزانها معًا، وتحديد موعد لزيارة عمل قادمة… وكأن الخصومة لم تمر أصلًا.
خرجنا ونحن نحمد الله كثيرًا ونشكره …
ربما كان هذا اللقاء أسهل وأجمل جلسات الصلح التي حضرتها منذ سنوات، واستبشرت خيرًا أن ذلك كان في أيام العشر من ذي الحجة، هذه الأيام التي تتنزل فيها الرحمات، وتصفو فيها الأرواح.
أيها المتخاصمون…
الدنيا أقصر من أن نحمل فيها الأحقاد، وأضيق من أن نخسر فيها رجالًا، او نساءً، بسبب كلمة أو سوء فهم أو نقلٍ ناقص.
فلا تتركوا للشيطان مقعدًا بينكم…
وتذكروا أن أجمل الانتصارات ليست أن تربح النقاش، بل أن تربح الإنسان.
أصلحوا ذات بينكم…
فوالله ما رأيت شيئًا يرفع الانسان، ذكرا أو أنثى، مثل العفو، ولا شيئًا يهزم الشيطان مثل التسامح. والتصاميم بين الاحباب ... والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري