الدكتورعبد القادر سماري

عرفتك... ولكنني لم أعرف لك قدرك.

عرفتك... ولكنني لم أعرف لك قدرك.
فهذا مني إليك ... إعتذار وجهد المقل ...
قبل أيام وصلتني دعوة من المجلس الإسلامي الأعلى لحضور تأبينية الشيخ المجاهد الحاج محند الطيب رحمه الله.
كان الموعد يوم أمس الثلاثاء السابع من جويلية.
كنت أظنها تأبينية مثل غيرها من التأبينيات لرجل مجاهد صالح، قدم ما استطاع لدينه ووطنه وأمته.
وكنت أظنها مناسبة عادية أتعرف فيها على بعض جوانب شخصيته التي لا أعرفها عن هذا الرجل، الذي تعرفت عليه منذ سنوات قليلة، وتشرفت بلقائه، وأكرمني بإهدائي كتابه ( التفسير الميسر لكلام الله الموقر باللغة الأمازيغية وبالحرف العربي ).
لكن، حين حضرت، كان لي انطباع آخر تمامًا...
خرجت من القاعة وأنا أحمل شعورًا بالذنب، وتأنيبًا للضمير، وإحساسًا عميقًا بالتقصير.
شعرت بأنني مقصر في حق هذا الرجل، ولست وحدي؛ بل شعرت أن كثيرًا من أبناء الجزائر، وكثيرًا ممن يتحدثون عن الوحدة الوطنية، وعن البعد الإسلامي، والبعد العربي، والبعد الأمازيغي، قد قصروا في حق هذا الرجل وأمثاله.
لقد خذلناه...
ولم نعطه المكانة التي يستحقها.
كنت حاضرًا لأستمع، وأسجل، وأتدبر، فلم أتكلم.
لقد تداول الكلمة رجال رافقوه في مختلف مراحل حياته؛ فمنهم من لازمه أكثر من سبعين سنة، ومنهم من زامله في مقاعد الدراسة، ومنهم من شاركه الجهاد المسلح، ومنهم من عمل معه في مختلف المسؤوليات.
وهناك بدأت أكتشف عظمة هذا الرجل.
لقد استطاع أن يجسد في حياته ثلاثية الجزائر الجامعة: الإسلام، والعربية، والأمازيغية، لا كشعارات تُرفع، وإنما كمشروع عاشه، وضحى من أجله، وخدمه بعلمه وعمله وجهاده.
بدأ حياته العلمية فحفظ كتاب الله في الزاوية، ولم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، ثم التحق بمعهد ابن باديس، ذلك المعهد الذي صنع جيلًا من علماء الجزائر ورواد نهضتها، ثم لبى نداء الوطن فالتحق بصفوف جيش التحرير الوطني مع اندلاع الثورة المباركة، وبعد الاستقلال واصل رسالته في التربية والتعليم والإدارة والإصلاح، متنقلًا بين تيزي وزو والأخضرية وغيرها من مناطق الوطن.
استمعت إلى شهادات مؤثرة من رجال عرفوه عن قرب، منهم الأستاذ الشيخ محمد الصغير بلعلام الذي رافقه في معهد ابن باديس بقسنطينة في مطلع خمسينيات القرن الماضي، كما استمعت إلى كلمات فضيلة الشيخ أبو عبد الله غلام الله، والدكتور عبد الرزاق قسوم، والدكتور سعيد بوزري، والأستاذ سعيد معول، وغيرهم، ثم كانت كلمة ابنه من أكثر الكلمات تأثيرًا.
وأدركت أن هذا الرجل لم يكن مجرد معلم، ولا مجرد كاتب، ولا مجرد مجاهد...
بل كان مشروع أمة.
لقد أنجز عملًا جليلًا لم يسبقه إليه أحد، حين فسّر معاني القرآن الكريم باللغة الأمازيغية وبالحرف العربي، ليصل كلام الله إلى أبناء وطنه بلغتهم، جامعًا بين الوفاء للإسلام، والاعتزاز بالعربية لغة القرآن، والاعتزاز بالأمازيغية باعتبارها مكونًا أصيلًا من مكونات الشخصية الجزائرية.
ولم يقف عطاؤه عند هذا الحد، بل ترك مؤلفات أخرى نافعة، منها ترجمة وشرح الأربعين النووية، وغيرها من الكتب التي تستحق أن تُقرأ، وأن تُدرس، وأن تُنشر بين الناس.
ولكن ما هزني أكثر بعزة واغتباط، أن الرجل لم يترك وراءه كتبًا فقط...
بل ترك مدرسة حية.
ترك ذرية صالحة مباركة، أحد عشر ولدًا؛ سبع بنات وأربعة أبناء، جميعهم – كما رأيت وسمعت – يسيرون على نهجه، ويحملون أخلاقه، ويتخلقون بدينه، ويواصلون رسالته في العلم والاستقامة وخدمة المجتمع.
وهذا، في نظري، من أعظم إنجازات الإنسان؛ أن ينجح في بناء الأسرة كما نجح في بناء الفكرة، وأن يورث أبناءه القيم قبل الأموال، والمنهج قبل المناصب، والرسالة قبل الشهرة.
وأنا أستمع إلى كل تلك الشهادات، أخذت أحدث نفسي:
ماذا لو كان هذا الإنجاز في اتجاه آخر؟ ماذا لو كان يخدم مشاريع التغريب، أو القطيعة مع الإسلام، أو مع العربية، أو مع الأمازيغية الأصيلة؟ ماذا لو كان مكتوبًا بالحرف اللاتيني، أو موظفًا في غير خدمة هوية الجزائر؟
أليس من المؤكد أن أعداء الجزائر كانوا سيحتفون به، ويغدقون عليه الجوائز، ويفتحون له المنابر، ويجعلون منه رمزًا عالميًا؟
أما لأنه اختار أن يخدم الإسلام، والعربية، والأمازيغية الأصيلة، وأن يجمع بينها بدل أن يفرقها، فقد عاش متواضعًا، وخدم بصمت، ورحل بصمت.
وهنا ازداد ألمي...
كم من الرجال والنساء في الجزائر حفظوا هذه الثلاثية المباركة، وخدموها بإخلاص، ثم رحلوا دون أن نفيهم حقهم؟
إننا بحاجة إلى مراجعة صادقة لأولوياتنا.
فنحن كثيرًا ما ننشغل بالخصومات والمناكفات، وننسى أصحاب المشاريع الحقيقية، الذين يصنعون الإنسان، ويحفظون الهوية، ويبنون الأوطان.
ولذلك، فإنني لا أتمنى فقط أن تبقى كتب الشيخ الحاج محند الطيب محفوظة في المكتبات، وإنما أتمنى أن تتحول إلى مشاريع تكوين.
أتمنى أن تدخل مؤلفاته في مناهجنا التربوية، وأن تتبناها المدارس والمعاهد والجامعات، وأن تجعلها الجمعيات، والحركات، والأحزاب، والمؤسسات الدعوية والثقافية، ضمن مقررات تكوين رجالها ونسائها، لأنها لا تعلم اللغة أو التفسير فحسب، وإنما تغرس معنى الانتماء، والوحدة، والوسطية، والوفاء للجزائر وهويتها.
إن أمثال هؤلاء لا يُكرمون بكلمات التأبين وحدها، وإنما بإحياء آثارهم، ونشر علمهم، وربط الأجيال الجديدة بمسيرتهم.
لقد رحل الشيخ إلى ربه بعد أن أدى الأمانة، أما نحن فما زلنا مطالبين بحفظ تراثه، والعناية بمؤلفاته، والتعريف بسيرته، والاهتمام بكل من بقي من أمثاله أحياء بيننا، قبل أن نفقدهم ثم نبكي عليهم.
وأتمنى من إخواننا في الجزائر قاطبة وبلاد زواوة على الخصوص، أن يتبنوا هذا المشروع، وأن يجمعوا تراث هذا العالم وامثاله، وينشروه، ويعرفوا الناس به، بعيدًا عن كل المناكفات، لأن الجزائر اليوم أحوج ما تكون إلى النماذج التي توحد أبناءها، لا إلى الخطابات التي تفرقهم.
لقد خرجت من تلك التأبينية ودموعي في قلبي، وتأنيب الضمير في عقلي.
وأظن أن كثيرًا منا يدّعي أنه يحمل مشروع الجزائر، بإسلام، وعربيتها وأمازيغيتها، لكننا مقصرون لدرجة المتخاذل في تجسيد المشاريع الحقيقية ، وجعلها واقعًا معاشًا.
لقد كان الحاج محند الطيب مجاهدًا بالسلاح، ومجاهدًا بالقلم، ومجاهدًا باللسان، ومجاهدًا بالتربية والتكوين، وبانيًا للإنسان قبل البنيان.
فلله درك، أيها الشيخ الحاج محند الطيب رحمك الله...
عرفتك... ولكنني لم أعرفك حق المعرفة.
وعرفتك... ولكنني لم أوفك حقك... وكم من امثالك الذين لم نوفهم حقهم ولم نشد أزرهم.
فاعذر تقصيرنا، وقد أفضيت إلى رب كريم.
أسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته، وأن يرفع مقامك في عليين، وأن يجعل علمك، وجهادك، وتربيتك، وذريتك الصالحة، وكل ما خلفته من آثار طيبة، في ميزان حسناتك إلى يوم الدين... وأن ينفع بها الاسلام والجزائر ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري