تكملة للمنشور السابق :
تكملة للمنشور السابق :
*من حماية المبادئ ... ثم اقتراح البدائل ... إلى الانخراط في صناعة النماذج وتجسيد المشاريع *
لكل مشروع حيّ مراحل، ولكل مرحلة أولوياتها وتحدياتها، وليس من الإنصاف أن نقيس نجاح أي مشروع بمعايير مرحلة تجاوزها، أو أن نطالبه بالإجابة عن أسئلة الأمس بعد أن تغيّرت أسئلة اليوم.
لقد كان الهدف في البدايات أكبر من مجرد صناعة أفراد متميزين أو إعداد قيادات سياسية. فقد جاءت نشأة المشروع استجابة لمرحلة كانت الدولة فيها في أمسّ الحاجة إلى من يحافظ على وحدتها، ويصون هويتها الإسلامية والوطنية، ويُرسّخ قيم الوسطية والإصلاح، ويحمي المجتمع من الانقسام والتطرف والانحلال. وكانت الأولوية آنذاك تثبيت المرجعية، وحماية الثوابت، وبناء الإنسان، وتوسيع دوائر الخير والإصلاح داخل المجتمع.
ومن أجل ذلك، تعددت أدوات المشروع بين العمل السياسي، والمؤسسات الدعوية، والجمعيات الخيرية، والعمل التربوي والثقافي والاجتماعي، فكان لكل مجال دوره في خدمة المجتمع وحماية الوطن، وترسيخ الاستقرار، وتعزيز الانتماء، وإعداد أجيال حملت مسؤولية الإصلاح كلٌّ من موقعه. ولا يمكن لأي قراءة منصفة أن تتجاهل حجم الإسهام الذي قدمته هذه التجربة في تعزيز مناعة المجتمع والمحافظة على تماسكه خلال مراحل دقيقة من تاريخ الجزائر.
واليوم، وبعد أن أصبحت الدولة والمجتمع يحتضنان كثيرًا من المبادئ والأهداف التي نادى بها المشروع لعقود، فإن نجاح المرحلة الأولى لا ينبغي أن يكون سببًا للركون، بل دافعًا للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا.
*ومن هنا فإن مسؤولية المرحلة القادمة هي الانتقال من ثقافة المطالبة بالبدائل إلى ثقافة الانخراط في تجسيد البدائل.*
لقد تغيرت احتياجات الدولة، كما تغيرت احتياجات المجتمع.
فالدولة، وهي تواجه تحديات التنمية، والتحولات الاقتصادية، والرهانات الإقليمية والدولية، تحتاج إلى قوى سياسية ومدنية تنخرط في تحقيق نماذج ناجحة في التسيير، وتؤطر المواطن، وتُخرّج الكفاءات، وتُسهم في إنتاج الحلول، لا أن تكتفي برفع الشعارات أو تشخيص المشكلات. إنها تحتاج إلى أحزاب ومؤسسات تكون مدارس في الحوكمة، واحترام القانون، والتداول على المسؤولية، والكفاءة، والشفافية، حتى يصبح العمل السياسي نفسه رافدًا من روافد بناء الدولة.
أما المجتمع، فقد أصبح في حاجة إلى من يعيد إليه الثقة في نفسه، ويرفع قيمة العمل والإنتاج والإبداع، ويواجه الآفات التي تهدد شبابه، وفي مقدمتها المخدرات، والعنف، وثقافة الاتكال، وفقدان الأمل. وهو بحاجة إلى مؤسسات تصنع الأمل، وتفتح آفاق المبادرة، وتقدم القدوة قبل الموعظة، والنموذج قبل الخطاب.
ومن هنا، لم يعد يكفي أن نتحدث عن الحوكمة، بل أصبح المطلوب أن نبني مؤسسات تُدار بحوكمة رشيدة.
ولم يعد يكفي أن نتحدث عن الشورى والديمقراطية، بل أن نقدم تنظيمات تمارسها بصدق، وتحترم الرأي، وتُعلي الكفاءة، *وتخضع للمساءلة* .
ولم يعد يكفي أن نتحدث عن النزاهة، بل أن نقدم مسؤولين يشهد لهم الناس قبل أن تشهد لهم خطاباتهم.
إن المرحلة القادمة ليست مرحلة إنتاج أفراد فحسب، وإنما مرحلة بناء مؤسسات سياسية، واقتصادية، وثقافية، واجتماعية، تكون امتدادًا طبيعيًا لقيم المشروع، وتُدار بعقول عصرية، وكفاءات عالية، وروح وطنية صادقة، فتتحول إلى نماذج حية يثق بها الناس ويهتدون بها.
كما أنها مرحلة إبراز الكفاءات التي أنجبتها المدرسة الإصلاحية، والتي أثبتت في مواقع المسؤولية أنها كانت في خدمة الجزائر أولًا، وأنها استطاعت أن تجمع بين الكفاءة والنزاهة، وبين الوفاء للمبادئ والقدرة على الإنجاز، فلم تنحرف عن قيمها، ولم تذب في منظومات الفساد أو المصالح الضيقة، بل بقيت وفيّة لرسالتها وهي تمارس مسؤولياتها بروح الدولة، وإخلاصها للوطن، واحترامها للمؤسسات.
فإذا كانت قوة أي مشروع تُقاس بعدد المنتمين إليه، وبعدد المقاعد التي يحصدها في مختلف الانتخابات، فهي أيضا تقاس بقدرته على *بناء الإنسان، ثم بناء المؤسسة، ثم بناء النموذج* ، ولا يتجلى ذلك إلا بالانخراط الكامل في كل مجالات التنمية.
فالنموذج الناجح هو الحجة الأقوى، والرسالة الأبلغ، والدعوة التي لا تحتاج إلى كثير من الكلمات.
لقد كانت معركة الأمس حماية الهوية، وصيانة الدولة، وترسيخ المرجعية، أما معركة اليوم فهي بناء النموذج؛ نموذج الفرد الذي يخدم قبل أن يطلب، ونموذج المؤسسة التي تنجز قبل أن تتحدث، ونموذج المسؤول الذي يقدم المصلحة العامة على كل اعتبار، ونموذج المواطن الذي يجعل من العمل والإتقان والالتزام رسالةً يومية.
فالأمم لا تنهض بالشعارات مهما كانت صادقة، وإنما تنهض حين تتحول المبادئ إلى مؤسسات، والقيم إلى ممارسات، والأفكار إلى نماذج ناجحة يراها الناس فيثقون بها، ثم يسيرون على هديها.
وحين ننجح في ذلك، نكون قد حافظنا على وفائنا للمؤسسين، ليس فقط مؤسسو الاحزاب والحركات بل مؤسسو الدولة الجزائرية ذات السيادة ،
إن أصحاب المشروع يجب أن ينتقلوا من مخاطبة المجتمع وهم على هامشه إلى الانخراط في المجتمع وفي كل مؤسساته ... وهذا يحتاج إلى فن خاص ووعي دقيق ... والله المستعان .
جمعة مباركة للجميع
والصلاة والسلام على النبي الشفيع.
د. عبدالقادر سماري