سانحة تحتاج التأمل !!!
سانحة تحتاج التأمل !!!
هل تراجع المشروع الذي نحمله... أم أنه حقق بعض الأهداف الأولى التي تأسس من أجلها؟ وما العمل اليوم؟
تابعت وقرأت مئات المنشورات التي تناولت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بالدراسة والتحليل، مع ما فيها، ولكل كاتب زاوية نظره وقراءته الخاصة. وقد لاحظت أن كثيرًا منها ينطلق من نتائج الانتخابات ليخلص مباشرة إلى أن التيار الإسلامي قد تراجع أو فقد تأثيره...
لكن... هل هذه هي القراءة الصحيحة؟
لا أعتقد أنه يجوز أن نقيس نجاح أي مشروع حضاري أو إصلاحي بعدد المقاعد التي تحصلت عليها الأحزاب أو الحركات التي نادت به ، أو بعدد المنتخبين الذين يفوزون باسمه، مع أهمية ذلك في العمل السياسي. فالقراءة المنصفة تبدأ بسؤال آخر أكثر عمقًا: ما الأهداف التي وُلد المشروع من أجلها؟ وهل تحققت أم لا؟ ... والإجابة على هذا السؤال، نرجع قليلا إلى الوراء... ونتوقف عند الحاضر :
قبل ما يقارب نصف قرن، انطلقت الحركة ومثيلاتها في ظروف سياسية وثقافية وفكرية تختلف جذريًا عن واقعنا اليوم، وكانت تحمل جملة من الغايات والاهداف الكبرى، من أبرزها:
- المحافظة على استقرار الدولة وحمايتها من الانهيار والفوضى.
- ترسيخ الإسلام باعتباره المرجعية الأساسية والهوية الجامعة للشعب الجزائري.
- تكوين أجيال تؤمن بقيم الإصلاح والمصالحة والوسطية والعمل الوطني.
- نشر الوعي الإسلامي في مختلف شرائح المجتمع، وبناء المؤسسات التربوية والدعوية والثقافية والاجتماعية.
- المطالبة بهوامش ولو صغيرة من الحرية والعمل العام في مختلف المجالات ...
وغيرها من الأهداف والغايات التي كانت تقوم بتحيينها من حين إلى آخر ...
والان إذا أردنا تقييم مسارات الحركة بإنصاف، فهناك جملة من الملاحظات تستحق الوقوف عندها:
أولًا: كثير من القضايا التي كانت الحركة تناضل من أجلها أصبحت اليوم جزءًا من الواقع العام للمجتمع الجزائري فتبناها ، ولم تعد مطالب خاصة بالحركة ومثيلاتها.
ثانيًا: نسبة معتبرة من الأفكار والمشاريع التي حملتها الحركة وعملت من أجلها لعقود أصبحت تتبناها مؤسسات الدولة، وتنعكس في السياسات العمومية والخطاب الرسمي بوصفها خيارات وطنية وإنجازات عامة.
ثالثًا: عدد كبير من الفاعلين السياسيين اليوم وكثير من المتواجدين في مختلف القوائم الانتخابية، وخاصة ممن تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والخمسين عامًا، مروا -بشكل مباشر أو غير مباشر- بمحاضن تربوية أو فكرية أو جمعوية قريبة من الحركة، أو تأثروا بأدبياتها وخطابها وبرامجها.
رابعًا: لو تأملنا خطابات رؤساء الأحزاب والحركات السياسية، وحتى الجمعيات والنوادي، وحواراتهم وبرامجهم، لوجدنا أن كثيرًا منهم ينهل من الرصيد الفكري والمعرفي الذي راكمه المشروع عبر عقود من العمل؛ مثل الحديث عن الوحدة الوطنية، والإسلام الوسطي، والمصلحة العامة، والمصالحة الوطنية، ومحاربة الفساد، وترسيخ الحريات، والتنمية الشاملة، والحوكمة الرشيدة ... وغيرها و لقد أصبح الخطاب السياسي في جوانب كثيرة متقاربًا، ولم يعد التمايز الفكري الحاد كما كان خلال السنوات الماضية .
فهل يُعد هذا تراجعًا... أم نجاحًا وصل إلى درجة أن أصبحت أفكار المشروع جزءًا من الثقافة السياسية والمجتمعية العامة؟
إن المشاريع الكبرى لا تُقاس فقط بقدرتها على الاحتفاظ بجمهورها داخل هياكلها، وإنما أيضًا بقدرتها على التأثير في المجتمع والدولة، حتى تصبح أفكارها ملكًا للأمة، لا حكرًا على أصحابها الذين نادوا بها.
لكن هذا النجاح -إن سلمنا بوجوده- لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للركون أو التكلس أو الاكتفاء بإنجازات الماضي.
فالجزائر اليوم ليست هي جزائر القرن الماضي، والعالم يعيش تحولات غير مسبوقة في الاقتصاد، والذكاء الاصطناعي، والأمن، والطاقة، والاتصال، والقيم، وأولويات الأجيال الجديدة...
ولذلك فإن الأسئلة التي كانت مطروحة بالأمس ليست هي الأسئلة التي ينبغي أن ننشغل بها اليوم، كما أن الإجابات القديمة لا تكفي وحدها لمواجهة تحديات المستقبل.
ومن هنا، فإن الحركة -مثلها مثل جميع الأحزاب الوطنية ومؤسسات الدولة والنخب الفكرية- مطالبة بفهم متطلبات المرحلة القادمة؛ مرحلة تعيد فيها تحيين رسالتها، وصياغة أهدافها، وتجديد خطابها، وتطوير برامجها، وإعداد رجالها ونسائها لقيادة مرحلة مختلفة عما سبق ، يكون محورها بناء اقتصاد قوي، وإنتاج المعرفة، وإطلاق الابتكار، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقوي، وحماية الأسرة، وترسيخ الحوكمة، وحجر الزاوية هو إعداد الإنسان القادر على المنافسة في عالم سريع التحول.
لقد كان مشروع الأمس مشروعًا لحماية الهوية وبناء الإنسان واستعادة المرجعية، أما مشروع الغد فيجب أن يكون مشروعًا لصناعة القوة، وبناء الدولة المتقدمة، وإنتاج الثروة، وتعزيز مكانة الجزائر إقليميًا ودوليًا، دون التفريط في الثوابت التي قام عليها المشروع منذ بدايته.
إن الوفاء الحقيقي للمؤسسين يكون باستكمال رسالتهم بروح العصر ومتطلبات الحاضر وآفاق المستقبل، كما استجابوا هم لتحديات عصرهم.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: هل تراجعت الحركة؟
وإنما هو : ما العمل اليوم ؟
علينا أن نمتلك القوة العملية والشجاعة الفكرية والقدرة التنظيمية لتثمين كل ما حققته الحركة في مراحلها المختلفة من أهداف وغايات ... لنستشرف مرحلة جديدة تصاغ فيها أهداف المستقبل التي تستجيب لتحدياته ، ونقود بها الجزائر نحو نهضة تليق بتاريخها وإمكاناتها وطموحات شعبها؟
فالمشاريع الحية لا تموت عندما تنتهي مرحلة، وإنما تفقد قوتها عندما تذبل الفكرة ولا تستجيب لمتطلبات المرحلة التي تليها...
وأخيرا أقول لأصحاب المشروع :
لا تجلدوا ذواتكم ... ولا تحقروا إنجازاتكم ... ولا تنحبسوا عند مخرجات لحظة زمانية ومكانية صاغتها كثير من المدخلات التي ليست منكم ولا لكم ... فلا يثبطكم ذام ... ولا يغرنَّكم مادح ...
ولا يزال أمام إستكمال المشروع الكثير الكثير فطوبى لمن واصل المسير ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري