في ذكرى رحيله ... بعض ملامح والدي سيدي عمار رحمه الله ...
في ذكرى رحيله ... بعض ملامح والدي سيدي عمار رحمه الله ...
ولا نزكيه على الله، فالله حسبه وحسيبه، وإنما نذكره للعبرة والاقتداء، ولعل الله أن ينفع بذكر الصالحين ويلحقنا بهم على خير :
في مثل هذا اليوم، 16 جويلية 1986، تمر أربعون 40 سنة كاملة على رحيل والدي سيدي عمار رحمه الله، نسأل الله أن يجعله من أهل جنات عدن، وأن يجزيه خير الجزاء.
رحل بعدما أدى ما استطاع من الأمانة، ونحن – الذين عشنا معه وخبرناه – شهود على ذلك، والله هو الشهيد على السرائر، وهو أعلم بمن اتقى.
لقد أدى ما عليه، في حدود ما آتاه الله من قدرة واستطاعة:
- تجاه دينه ووطنه.
- تجاه والديه، وإخوته وأخواته.
- تجاه زوجته وأبنائه وأحفاده.
- تجاه أصهاره وأنسابه وجيرانه.
- تجاه أصحابه وتلامذته.
رحل وهو في أواسط العقد الخامس من عمره، لكن عمر الإنسان لا يُقاس بعدد السنين، وإنما بما يتركه من أثر، وما يغرسه من خير، وما يورثه من قيم.
حفظ القرآن الكريم صغيرًا على يد والده، الحاج الضيف رحمه الله، ثم انتقل إلى زاوية الشيخ بلعيساوي، ليتزود من مختلف العلوم الشرعية والعربية.
ثم عاد إلى بيت والده، ليعينه على تعليم القرآن الكريم واللغة العربية لأبناء القرى المجاورة، في أشد سنوات الاستدمار والاحتلال، يوم كان تعليم القرآن لونًا من ألوان المقاومة، وحفظ الهوية، والدفاع عن الأمة.
ثم اندلعت ثورة التحرير المباركة، فانخرط فيها مُسبِّلًا، مؤديًا ما استطاع من واجبه نحو وطنه.
فلما استعادت الجزائر سيادتها واستقلالها، نذر نفسه للقرآن... لا شيء غير القرآن.
قراءةً، وتفسيرًا، وتحفيظًا، وتعليمًا، وإمامةً، وصلاةً للتراويح.
حج بيت الله الحرام، واعتمر، ثم ابتلاه الله بمرض شديد أقعده ستة أشهر، فصبر واحتسب، حتى لقي ربه راضيًا مرضيًا، بإذن الله.
عشت معه سبعًا وعشرين 27 سنة، منذ يوم ولادتي إلى يوم رحيله، وأعي منها اثنتين وعشرين 22 سنة.
سافرت معه داخل الوطن وخارجه.
سهرت معه الليالي ذوات العدد.
جالست معه المشايخ والعلماء.
ذقت معه حلو الحياة ومرها.
ولعل أكثر ما بقي راسخًا في ذاكرتي أنني ما رأيته يومًا عابسًا، ولا متذمرًا، ولا شاكيًا، ولا متكبرًا، ولا سمعته يذكر أحدًا بسوء.
كان مدرسة تمشي على الأرض...
مدرسة في الأدب، والأخلاق، والعفة، والزهد، والنظافة، وحسن المعاملة.
وكان نموذجًا فريدًا في بناء العلاقات الإنسانية وصلة الأرحام والإحسان إلى الناس.
وحين رحل عن دنيانا، ترك عشرة 10 أبناء؛ ثلاثة ذكور وسبع بنات، بعدما سبقه إلى الدار الآخرة اثنان من أبنائه.
وترك اثني عشر 12 حفيدًا وسبطًا.
أما اليوم، وبعد أربعين سنة، فقد تجاوزت ذريته مائتي 200 فرد، من الذكور والإناث، والحمد لله، وكلهم – فيما نعلم – يسيرون على نهجه في كليات الأمور، ونسأل الله أن يثبتهم.
ولست أدري...
هل سأبقى إلى السنة القادمة لأكتب عنه مرة أخرى؟
أم أنني سأكون قد لحقت به؟
ولذلك رأيت أن أكتب شيئًا من شذرات حياته، وبعضًا من مواقفه، أكتبها لنفسي أولًا، ثم لذريته من بعدي، عسى أن تكون لنا نبراسًا نهتدي به، ونورًا نمشي على هديه، في زمن كثرت فيه الفتن، واضطربت فيه الموازين، واشتد فيه احتياج الناس إلى القدوة الصالحة.
لقد كان، رحمه الله، نسخة خاصة... وحبةً فريدة.
مع ربه: كان راضيًا مرضيًا، مستسلمًا، مُسلِّمًا أمره لله، راضيًا بقضائه، مطمئنًا إلى قدره.
مع كتاب الله: كان القرآن أنيسه، لا يفارق لسانه، يقرؤه قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، معلمًا ومتعلِّمًا، يعيش به وله.
مع رسول الله ﷺ: كان يعلمنا سيرته، ويغرس فينا أخلاقه، ويحثنا على الاقتداء به في السلوك والمعاملة قبل الأقوال.
مع والديه: بلغ أعلى درجات الأدب، والاحترام، والسمع والطاعة، والخدمة، والمؤانسة، والبر.
مع إخوته وأخواته: كان لهم الأخ، والصديق، والملاذ، والسند، والعطاء، والحنان، فهو أكبرهم سنًا، وبكر أبيه وأمه.
مع زوجته: كان عنوانًا للمودة، والرحمة، وحسن العشرة.
مع أبنائه: كان مربيًا، ومعلمًا، وراعيًا، وموجهًا، وحاضرًا في تفاصيل حياتهم، دون إرغام ولا إفراط ولا تفريط.
مع أصهاره وأنسابه: كان حافظًا للعلاقة، موصولًا للرحم، حريصًا على دوام المودة.
مع جيرانه: فحدِّث ولا حرج... كان الأب، والأخ، والصديق، والحارس للأعراض والممتلكات، والواقف مع الجميع في أفراحهم وأتراحهم.
مع أصدقائه: كان بشوش الوجه، خافض الجناح، قاضيًا للحاجات ما استطاع، حافظًا للأسرار، وفيًا للعهود.
مع تلامذته: كان مربيًا قبل أن يكون معلمًا، وموجهًا قبل أن يكون ملقنًا، ومستمعًا قبل أن يكون متحدثًا.
وإني أجزم أنني، رغم كل ما كتبت، قد اختصرت كثيرًا من ملامحه، وغابت عني صفحات كثيرة من سيرته.
من أراد أن يعرف سيدي عمار رحمه الله أكثر ، فما يزال هناك، بحمد الله، شهود أحياء عاشوا معه، وعرفوا أخلاقه وسيرته، يمكن التواصل معهم، ومنهم على الخصوص:
- شقيقه: عمي السعيد سماري، 94 سنة، مقيم بقصر الأبطال.
- شقيقته: عمتي الياقوت سماري، 86 سنة، مقيمة برأس الوادي.
- ابن عمه: عمي موسى سماري، 81 سنة، مقيم بقصر الأبطال.
- ابن عمته، عمي رابح سماري 87 سنة بين اولاد تبان ورأس الوادي
- ابناه: شقيقاي الحاج الميلود سماري، 76 سنة، والحاج عبد الحليم سماري، 54 سنة، ويقيمان برأس الوادي.
- بناته: شقيقاتي السبع، موزعات داخل الوطن وخارجه، ولكل واحدة منهن معه ذكريات لا تنسى، ودروس وعبر.
- نسيبه: خالي لحسن سلوم، 74 سنة، مقيم برأس الوادي.
- أبناء أخته: رابح سلوم، والحسين سلوم، والعياشي سلوم، وعبد الحق سلوم.
- وتلامذته، وهم كثيرون، في قصر الأبطال، وأولاد محلة، ورأس الوادي.
جميعهم يشهدون أنه لم يترك وراءه مالًا يُذكر، ولا جاهًا يُفاخر به، وإنما ترك شيئًا أبقى وأعظم...
ترك سيرةً طيبة، وذكرًا حسنًا، وقلوبًا ما زالت تدعو له بعد أربعين سنة من رحيله.
رحمك الله يا والدي...
ما زلت كلما مرَّت السنون ازددت يقينًا أن أعظم ميراث يتركه الإنسان لأبنائه ليس الأموال ولا العقارات، وإنما حسن الخلق، وصلاح السيرة، وطيب الذكر.
نسأل الله أن يرحمك رحمة واسعة، وأن يجمعنا بك في الفردوس الأعلى، وأن يجعل ما علمته، وما غرسته، وما دللت عليه من خير، في ميزان حسناتك إلى يوم الدين ... ولوالدتي أمي جميلة معك ... سيكون لنا معها وقفة في ذكراها إذا كان في العمر بقية ....
﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري.
