المعركة ليست أي لغة أجنبية نختار .. بل المعركة الحقيقية هي: هل نمتلك لغتنا التي تشكل وَعْينا أم نترك غيرنا يصيغ وعي أبنائنا بلغته وثقافته ؟
المعركة ليست أي لغة أجنبية نختار .. بل المعركة الحقيقية هي: هل نمتلك لغتنا التي تشكل وَعْينا أم نترك غيرنا يصيغ وعي أبنائنا بلغته وثقافته ؟
تابعتُ في الأيام الأخيرة كثيراً من النقاش والجدل الدائر حول قضية اللغة في المدرسة الجزائرية، ولاحظتُ أن النقاش، في جانب كبير منه، ينحصر في ثنائية تبدو وكأنها قدرٌ لا مفر منه:
فريقٌ يريد أن تبقى اللغة الفرنسية مكوّناً أساسياً في المنظومة التربوية والتعليمية، وفريقٌ آخر يرى أن الحل هو استبدالها باللغة الإنجليزية، وكل طرف يقدم حججه، وكأن مستقبل الجزائر يتوقف على الإجابة عن سؤال واحد:
فرنسية أم إنجليزية؟
وأعتقد أن هذه الثنائية، على أهميتها الجزئية، تُخرجنا عن السؤال الأكبر والأعمق.
السؤال الحقيقي ليس: أي لغة أجنبية نختار؟
بل السؤال هو:
ما موقع لغتنا الوطنية في مشروع بناء الإنسان الجزائري؟ وما مكانة اللغة العربية في المدرسة والجامعة والإدارة والبحث العلمي والإنتاج الثقافي والمعرفي والفني؟
لأن الحقيقة التي يغفل عنها كثير من المتجادلين أن السيادة لا تُبنى بلغة الآخرين، والريادة لا تبدأ من خارج الذات، والأمم التي تريد أن تصنع مستقبلها لا يمكن أن تفعل ذلك وهي تنظر إلى نفسها دائماً بعين غيرها.
لا توجد لغة أجنبية، مهما بلغت قوتها وانتشارها، تستطيع أن تكون بديلاً عن اللغة التي يفكر بها الإنسان في أعماقه، ويحمل بها ذاكرته، ويعبّر بها عن وجدانه، وينقل بها قيمه وثقافته وتاريخه إلى أبنائه.
اللغات الأجنبية أدوات عظيمة للقوة والانفتاح والمعرفة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الذات.
نعلم أبناءنا الصينية والانجليزية والكورية والتركية والروسية والفرنسية، والألمانية، والإسبانية، والصينية، واليابانية، وكل لغة يمكن أن تفتح أمامهم نافذة جديدة على العالم،
لا مشكلة في ذلك إطلاقاً.
بل أرى أن الجزائري في القرن الحادي والعشرين ينبغي أن يكون متعدد اللغات، قادراً على التواصل مع العالم، والاطلاع على علومه، والمشاركة في إنتاج المعرفة الإنسانية.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن نتعلم لغات العالم وبين أن نجعل إحدى لغات العالم بديلاً عن لغتنا نحن.
ابدؤوا من العربية... ثم افتحوا كل نوافذ العالم
اجعلوا اللغات الأجنبية في أي طور، وفي أي سنة، وفق ما تراه الدراسات التربوية والعلمية مناسباً.
هذا نقاش مهم، ويمكن أن يختلف فيه المختصون.
لكن لا تجعلوا ذلك هو جوهر القضية.
جوهر القضية هو:
ماذا فعلنا باللغة العربية في المدرسة؟
كيف نعلّمها؟
كيف نحببها إلى أبنائنا؟
كيف نجعلها لغة تفكير وإبداع، لا مجرد مادة للامتحان؟
كيف نطور مناهجها؟
كيف نرفع مستوى معلمينا؟
كيف ننتج بها المعرفة؟
كيف نجعلها حاضرة في العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والإدارة والبحث العلمي؟
كيف ننتقل بها من لغة نستهلك بها تراثنا إلى لغة ننتج بها مستقبلنا؟
إن المشكلة ليست في اللغة العربية.
المشكلة في طريقة تعاملنا معها.
فاللغة التي لا نطوّرها ستتراجع، واللغة التي لا ننتج بها المعرفة ستتحول إلى لغة للذاكرة فقط، واللغة التي لا نُحسن تعليمها لأبنائنا لن تكون قادرة على حمل مشروع أمة.
ولهذا فإنني أرى أن معلم اللغة العربية في مختلف الأطوار ينبغي أن يكون في قلب المشروع الوطني لبناء الإنسان الجزائري.
ليس لأنه يدرّس مادة من مواد البرنامج فحسب، وإنما لأنه يشارك في تشكيل عقل الطفل ولسانه وذوقه ووعيه وانتمائه وقدرته على التعبير والتفكير.
أنا لا أتحدث عن نظرية فقط ... بل من الواقع
لقد أتيحت لي، بحمد الله، فرصة السفر في مشارق الأرض ومغاربها، وزرت أكثر من أربعين دولة.
ورأيت نماذج مختلفة من الشعوب والمجتمعات.
رأيت اليابان، وتركيا، وبلغاريا، وأوكرانيا، وإسبانيا، والسويد، وبولندا، وباكستان، وهولندا، والدنمارك وغيرها. كل هذه الدول تطورت بلغتها
لم أرَ شعباً محترماً لذاته، واثقاً بهويته، قادراً على إنتاج تجربته الحضارية، يبدأ مشروعه من عقدة أن يكون نسخة من غيره وبلغة غيره.
تختلف هذه الدول اختلافاً كبيراً في تجاربها وتاريخها وأنظمتها، ولكنها تدرك قيمة اللغة الوطنية باعتبارها جزءاً أساسياً من بنيتها الثقافية والتعليمية والمعرفية.
القضية ليست أن تكون اللغة الوطنية وحدها، وإنما أن تكون هي المركز الذي تنطلق منه بقية اللغات.
وهذا هو الفرق بين التعدد اللغوي والتبعية اللغوية.
ولا أرى حرجا في هذا الاستشهاد ، فالحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها هو أولى بها :
انظروا إلى تجربة لغة الكيان المحتل (( العبرية )) ... وهو مثال شديد الدلالة.
اللغة ( العبرية ) كانت قد فقدت مكانتها كلغة يومية جامعة، ثم بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر عملية واسعة لإحيائها وتطويرها وتوحيد مصطلحاتها وإدخالها في التعليم والحياة العامة.
ولم يكن الأمر مجرد أمنية ثقافية.
كانت هناك جهود منظمة، ولجان لغوية، ومعلمون، ومؤسسات، وصناعة للمصطلحات، ثم أُنشئت أكاديمية رسمية للغة العبرية سنة 1953 تتولى وضع المصطلحات والمعايير والقواعد وتطوير اللغة.
لم يقولوا: العبرية لا تستطيع أن تكون لغة العصر لأنها لا تملك مصطلحات الطائرات والحواسيب والعلوم الحديثة.
بل صنعوا المصطلحات.
ولم يقولوا: لا نستطيع أن نعلّم بها لأن العالم يتحدث الإنجليزية أو الفرنسية أو الروسية أو الألمانية...
بل تعلموا الإنجليزية وغيرها، وفي الوقت نفسه أحيوا لغتهم وطوروها.
وهذا درس ينبغي أن نتأمله جيداً، بعيداً عن أي موقف سياسي من دولة الاحتلال وسياساتها.
إذا كان شعب استطاع أن يعيد إحياء لغة كانت قد فقدت حضورها اليومي ويجعلها لغة دولة ومؤسسات وتعليم وإنتاج معرفي، فكيف نعجز نحن عن تطوير لغة حية، غنية، ذات تراث علمي وأدبي وفكري هائل، ويتحدث بها مئات الملايين؟
المشكلة ليست في اللغة.
المشكلة في الإرادة والمشروع والمؤسسات... المشكلة في التجاذب والتذبذب
أما نحن... فلا ينبغي أن نقع في فخ المعركة الخاطئة
أن نقول إن الفرنسية "غنيمة حرب"، ثم نجعل من هذه العبارة مبرراً لاستمرار هيمنتها على المدرسة والجامعة والإدارة ومجالات المعرفة، بكل المعايير هذا ليس مشروعاً وطنياً، بل استنساخ لمشروع المستعمر الذي بذل كل ما في وسعه لطمس لغتنا العربية واستبدالها بلغته، وهذا مرفوض، وأكرر أنه ليس مشروعا وطنيا بل يتنافى مع الوطنية .
وفي المقابل، أن نقول إن الإنجليزية هي لغة العلم والتكنولوجيا اليوم، ثم نجعل منها بديلاً عن العربية، وهذا أيضا ليس مشروعاً وطنياً أيضاً بل سبكون مسروع تبعية جديدة، رغم أنني مع تقديم الانجليزية على الفرنسية.
اللغات في تراكيبها وقواعدها ليست عدوا ولا ينبغي أن تكون أي لغة من لغات العالم عدواً لنا.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول اللغة الأجنبية من وسيلة للانفتاح إلى مرجعية للهوية، ومن أداة للمعرفة إلى عنوان للتبعية.
نحن لسنا مطالبين بأن نختار بين بكين و واشنطن ولندن وباريس .
نحن مطالبون بأن نختار الجزائر ... والجزائر فقط.
ثم نفتح أبواب الجزائر على واشنطن ولندن وطوكيو وبكين وباريس ومدريد وبرلين وإسطنبول وبيونس أيرس وكل عواصم العالم.
لا نريد جزائرياً يجهل اللغات... بل نريد جزائرياً لا يضيع لغته
أريد لأبنائنا أن يتقنوا ويتفننوا في كل لغات العالم ، والحمد لله كل شيء ممكن ومتوفر ...
لكنني أريد قبل ذلك كله أن يكون التلميذ والطالب والعالم والعامل والسياسي والعسكري الجزائري قادراً على القراءة والكتابة والتفكير والتعبير والابداع والفن باللغة العربية بمستوى يليق بهذا البلد وبشعب هذا البلد وحاضر ومستقبل هذا البلد.
أريده ان يجعل من العربية لغة العلم والمعرفة والذكاء الاصطناعي والتطوير النكنولوجي كما هي لغة الثقافة والفنون.
لغة المختبر كما هي لغة الأدب.
لغة الجامعة كما هي لغة البيت.
لغة المستقبل كما هي لغة الذاكرة.
والأهم من اللغة: القيم والمبادئ
النهضة ليست لغة فقط.
فاللغة وعاء، ولكن الوعاء يحتاج إلى مضمون.
لا يمكن أن نبني أمة متقدمة إذا كنا نعلّم أبناءنا اللغات وننسى أن نعلّمهم الأمانة، والنظافة، والانضباط، والعمل، واحترام الوقت، وإتقان المهنة، وتحمل المسؤولية، والعدل، والرحمة، وحب الوطن، واحترام الإنسان، والقدرة على التفكير والنقد والإبداع.
نحتاج إلى أن نعيد بناء الإنسان الجزائري، لا أن نعيد ترتيب اللغات فقط.
نحتاج إلى مدرسة تصنع إنساناً واثقاً من نفسه، معتزاً بلغته وثقافته، منفتحاً على العالم، قادراً على التعلم منه، ولكنه غير مستعد لأن يفقد نفسه داخله.
فلنخرج من هذا الصراع العقيم
كفانا سؤالاً:
فرنسية أم إنجليزية؟
ولنبدأ بالسؤال الصحيح:
أين العربية في مشروع النهضة الجزائرية؟
ثم بعد ذلك:
ما اللغات الأجنبية التي نحتاجها؟
ومتى نبدأ تعليمها؟
وما المناهج الأفضل؟
وكيف نكوّن المعلمين؟
وكيف نربط اللغات بسوق العمل والبحث العلمي؟
وكيف نجعل أبناءنا يتقنون أكثر من لغة دون أن يتحول ذلك إلى اقتلاعهم من لغتهم وثقافتهم؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن نتناقش حولها.
نحن لا نريد أن نغلق نافذة واحدة في وجه العالم.
بل نريد أن نفتح كل النوافذ.
لكن بشرط واحد:
ألا نهدم الباب الذي يدخل منه أبناؤنا إلى بيتهم.
فالانفتاح على العالم لا يعني الذوبان فيه.
والتعدد اللغوي لا يعني التبعية اللغوية.
وتعلم لغات الآخرين لا يعني التخلي عن لغتنا.
بل إن الأمة الواثقة من لغتها هي الأقدر على تعلم لغات الآخرين.
ولذلك أقول بكل أمل وثقة:
لا مستقبل للجزائر بالتبعية لأي لغة.
ولا مستقبل لها بالانغلاق عن لغات العالم.
وإنما مستقبلها في أن تجعل العربية لغة الانطلاق، واللغات العالمية جسوراً نحو العالم، والقيم الأصيلة روحاً للمشروع، والعلم والعمل والإبداع أدوات للنهضة.
حينها فقط لا نكون أمام سؤال:
فرنسية أم إنجليزية؟
بل أمام مشروع أكبر بكثير:
كيف نصنع جزائرياً يتحدث لغة وطنه بثقة، ولغات العالم بكفاءة، ويفكر بعقل مفتوح، ويعتز بجذوره، وينافس العالم من موقع الندية لا من موقع التبعية؟
وهنا تبدأ النهضة الحقيقية...
... والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري