جيجل تحترق … مزارع أصبحت رمادا ... مساكن سويت بالأرض ...
جيجل تحترق … مزارع أصبحت رمادا ... مساكن سويت بالأرض ...
آن الأوان ليعلن السيد رئيس الجمهورية (( ولاية جيجل ولايةً منكوبة)) ...
إنا لله وإنا إليه راجعون.
لله ما أعطى، ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجل مسمى.
اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيرًا منها.
جيجل ...تلك الجوهرة الخضراء،
التي احتضنت البحر والجبل والغابة، عرفناها جميلةً، هادئةً، باسقةَ الأشجار، عامرةً بالحياة… ماذا أصابكِ اليوم؟
كيف تحولت الخضرة إلى سواد؟
وكيف تحولت البيوت التي كانت تأوي أهلها إلى رماد؟
وكيف أصبح الدخان يغطي السماء، والنار تلتهم الأخضر واليابس، والناس يهربون بأطفالهم وأرواحهم، تاركين وراءهم أعمارًا كاملة من الذكريات والممتلكات؟
إنها ليست مجرد حرائق غابات.
إنها فاجعة إنسانية.
عدد ضحايا الحرائق والمصابين في ارتفاع ...
امتدت النيران إلى مناطق مأهولة واضطرت عائلات إلى مغادرة بيوتها هربًا من ألسنة اللهب.
وخلف الأرقام قصصٌ لا نعرفها كلها…
خلف كل وفاة أمٌّ فقدت ابنًا،
أو أبٌ فقد فلذة كبده،
أو طفلٌ فقد أباه،
أو أسرةٌ انطفأ معها جزء من حياتها.
وخلف كل بيت احترق، سنواتٌ من التعب والكدّ والادخار.
وخلف كل شجرة صارت رمادًا،
ذاكرةُ أجيال،
ورئةُ وطن،
وثروةٌ طبيعية لا تعوّض بسهولة.
النار لا تحرق الأشجار وحدها… النار أحيانًا تحرق ذاكرة المكان.
وفي مثل هذه اللحظات، لا نملك إلا أن نقف أمام قضاء الله وقدره خاشعين، نستحضر قوله تعالى:
«**﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.»
فاللهم ارحم من قضوا تحت ألسنة النار، واشفِ المصابين، واربط على قلوب أهلهم وذويهم، وعوّض من فقدوا بيوتهم وممتلكاتهم خيرًا، وأخلف عليهم من فضلك، واحفظ جيجل وأهلها وسائر ولايات الوطن.
لكن الصبر لا يعني الصمت، والإيمان بالقضاء لا يعني الاستسلام أمام آثار الكارثة.
وهنا يصبح واجب الدولة شعبان وحكومة أكبر، وأوسع، وأعمق.
لقد وجّه رئيس الجمهورية وزير الداخلية إلى الانتقال إلى ولاية جيجل لمتابعة وضعية الحرائق وعمليات الإخماد والاطمئنان على المصابين وظروف التكفل بهم. وهذا موقف مهم، لكنه ينبغي أن تكون له خطوة أخرى توازي حجم المأساة.
وإنني أناشد السيد رئيس الجمهورية أن يصدر قرارًا باعتبار ولاية جيجل ولايةً منكوبة.
ليس الأمر امتيازًا إداريًا،
ولا مطلبًا سياسيًا،
ولا بحثًا عن تصنيف شكلي.
إنه نداء للتكفل بالمنطقة من طرف كل مؤسسات الدولة الرسمية، وكل فعاليات المجتمع الشعبية .
ولاية منكوبة تعني أن تتوجه إليها كل الإمكانات بصورة استثنائية؛ وأن يُحصى كل بيت وكل مزرعة وكل مؤسسة وكل نشاط تضرر؛ وأن تُعوض العائلات عن خسائرها؛ وأن تُرمم البيوت وتُعاد الحياة إلى القرى والمداشر المتضررة؛ وأن يحظى المصابون بعناية كاملة؛ وأن يُعالج المتضررون نفسيًا واجتماعيًا، لا أن يُتركوا وحدهم بعد أن تنطفئ النار.
إن جيجل لا تحتاج اليوم إلى كلمات المواساة وحدها، وإن كانت المواساة واجبًا.
جيجل تحتاج إلى فعل.
تحتاج إلى أن يشعر المواطن الذي فقد منزله أن الدولة والمجتمع يقف إلى جانبه.
وأن تشعر الأسرة التي فقدت أحد أبنائها أن وطنها لم يتركها وحدها أمام مصابها.
وأن يرى الفلاح الذي احترقت أشجاره ومواشيه ومصدر رزقه أن يد الدولة ستمتد إليه.
وأن يعرف كل من فقد شيئًا في هذه الكارثة أن الجزائر كلها معه.
وفي هذه اللحظة العصيبة، لا ينبغي أن ننسى أيضًا أولئك الذين وقفوا في وجه النار: رجال الحماية المدنية، وأعوان الغابات، وأفراد الجيش والأمن، والسلطات المحلية، والأطقم الطبية، والمتطوعون، وأبناء القرى الذين خاطروا بأنفسهم لإنقاذ جيرانهم وممتلكاتهم.
هؤلاء أيضًا يستحقون منا الدعاء والتقدير.
لقد كشفت الكارثة، مرة أخرى، أن في هذا الشعب معدنًا أصيلًا لا ينطفئ بسهولة: التضامن، والنخوة، وإغاثة الملهوف، والوقوف مع المنكوب.
يا أهل الجزائر…
اليوم جيجل تناديكم.
لا تتركوها وحدها تحت الرماد.
ولتكن هذه المحنة مناسبةً لنتجاوز الحسابات الصغيرة، والخلافات، والجدل، ولنتذكر أننا شعب واحد، وأن مصيبة جيجل مصيبة الجزائر كلها.
فإذا احترقت شجرة في جيجل، فقد احترق جزء من رئة الجزائر.
وإذا تهدم بيت فيها، فقد تهدم جزء من بيتنا الكبير.
وإذا بكى طفل من أطفالها، فعلينا أن نشعر أن طفلًا من أطفالنا يبكي.
اللهم يا لطيف يا رحيم، الطف بأهل جيجل، وارحم موتاهم، واشف جرحاهم، وآمن روعاتهم، وأخلف على من فقدوا خيرًا مما فقدوا.
اللهم اجعل نارهم بردًا وسلامًا، واجعل بعد العسر يسرًا، وبعد الحريق عمرانًا، وبعد الخوف أمنًا، وبعد الدموع فرحًا.
اللهم أجر الجزائر في مصيبتها، واخلف لها خيرًا منها.
وفي الأخير…
يا سيادة رئيس الجمهورية،
جيجل اليوم لا تطلب شفقة…
إنها تطلب نكاتفا وتضامنا .
جيجل تحترق…
فلا نتركها وحدها تحت الرماد.
أعلنوا جيجل ولايةً منكوبة، وافتحوا لها أبواب الدولة كلها حتى تستعيد عافيتها، ويعود أهلها إلى بيوتهم، وتعود الحياة إلى غاباتها وقراها وحقولها.
ومن ناحيتي فإنني أتقدم لكل التنظيمات والمؤسسات والجمعيات التي إنتقلت إليها من قبل والتي كنت رئيسا على بعضها، والتي لا أزال عصوا بها أم تتجند بكل امكانياتها البشرية والمادية لأداء واجب التعاون والنصر والدعم والمواساة ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري