سبحان مُغَيّر الأحوال !!!
سبحان مُغَيّر الأحوال !!!
لم أكن أنتظر أن ألقاه، ولكن مقادير الله غلابة !
فهو سبحانه( فعّال لما يريد )
افترقنا سنة 1982، هو تخرج ( طبيب أسنان )، وأنا نلت منحة دراسية للخارج ، منذ ذلك الوقت لم نلتق، 44 سنة.
والبارحة، في سطيف، في نادي المحامين، لبيت دعوة أخي الاستاذ ( مولود بوحريز " عدلان) في حفل عرس إبنه، متمنيا له حياة زوجية سعيدة.
وسط الجمع الغفير، شخص عرفت تقاسيم وجهه، ولكن استبعدت أن يكون هو، اقترب مني وقال : صفي الدين ...
قلت : نور الدين يا سبحان الله
مددنا يدينا للصافحة، ثم المعانقة ...
كان لقاء مبهرا، كل الحضور كانوا ينظرون إلينا، أظنهم نسوا العرس، ذلك أن ملاقاتنا كانت ملفتة وقوية ...
أقوى ما فيها ليس اللقاء، ولكن ما وراء اللقاء، كيف كنا وكيف أصبحنا...
دخلنا جامعة سطيف في سنة افتتاحها الاولى، كنا أول دفعة سنة 1978، هو بيولوجيا، وأنا علوم دقيقة،
كنا على طرفي نقيض ...
أحدنا ملتزم إلى درجة التطرف ... والآخر متحرر الى درجة التطرف المقابل ...
رغم التناقض جمعنا شيء واحد (( الدفاع عن حقوق الطلبة ))،
كانت إقامتنا في (( مرقد ثانوية المعز لدين الله ))، وكانت قاعة الدراسة في نفس الثانوية، لم تفتح جامعة سطيف بعد أبوابها، كانت تحت الاشغال ،قررنا القيام بأول إضراب، وكان لزاما أن نلتقي بالمقاول لتسريع عملية الانجاز ، المقاول ( عمي قدور مازا ) رحمه الله، الذي عرفته في تلك الأثناء واستمرت علاقتنا الى أن توفاه الله سنة 2007 ...
الإضراب له قصة طريفة، بعد عدة محاولات مع الادارة، كان وقتها مدير الجامعة الاستاذ مصطفى بوخاري، لم يستجب لنا ... وفي إحدى الليالي أجمعنا أمرنا على (( الإضراب )) لم يكن إضرابا عن الطعام، أو إضرابا عن الدراسة، كان إضرابا من نوع خاص ...
في ليلة باردة، شديدة البرد، قذفنا مطارحنا وأفرشتنا من النوافذ، ثم نزلنا وبتنا في الشارع، الشارع الوحيد المؤدي من وسط المدينة الى طريق العاصمة، في الصباح كان الأمر ملفتا، وعجبا، أعداد كبيرة من السكان تجمعوا حولنا، ثم قوات الأمن، ثم الأطفال ... وأخيرا إستجابت الادارة وحجزت لنا غرفا في الفنادق :
فندق فرنسا
فندق الرياض
فندق بور سعيد
خلال الإضراب وبعده توطت علاقتي بالطالب(( صفي الدين ))، رغم اختلاف توجهاتنا، ولكن كان الاحترام والتعاون في ما يجمعنا، منذ ذلك الوقت تعلمت شيئا (( قد تختلف مع أي إنسان في أمور كثيرة ولكن يمكن يجمعك به شيء ولو بسيط فلا تضيعه ))
قضينا في الفنادق بضعة أسابيع ثم تم تحويلنا الى سكنات في الحي الجديد ( 1000 مسكن )، وهناك بدأنا بحجز السكنات، واتفقنا أن نكون في نفس السكن، جناح B سكن رقم 1 في الطابق الارضي، كنا مجموعة متناقضة ،
* البعض يصلي محافظ على الصلاة والقرآن
* والبعض يصلي من حين لآخر
* والبعض لا يصلي ولا يفعل شيئا
* والبعض كل شيء ممكن ...
هذه هي الاسماء :
صفي الدين نور الدين
شلالي نصر الدين
بوبترة عبدالحق
بوبترة مداني - جمال-
جلاب حسين
عطوي حسين
الطاهر ودفل ( الشاعر )
ميلودي علي
عبدالقادر سماري
أحمد بلالطة
بن بوزيد الشريف رحمه الله
في تلك الشقة حدثت أمور كثيرة، نقاشات، شجارات، حوارات، ألعاب، زيارات، استقبالات ، قراءة قرآن، لانقوشة ...
لقد جمعت تلك الشقة كل التنوع الجزائري في ذلك الوقت ...
الذين ذكرت أسماءهم قبل قليل كلهم تخرجوا :
ثلاثة أصبحوا مديري جامعات
اثنان في كندا
صاحبنا طبيب أسنان
أساتذة جامعيين
صاحب هذه الكلمات ... ومعظمهم الان أحيل على التقاعد ...
ونرجع الى الدكتور (صفي الدين) الذي هو محور منشورنا، كان سريع الالتهاب، لا يعرف السكون والركود، مناضل متحرر مطالب بالحقوق دون حد، إلى درجة انه أصبح متابعا من طرف المصالح ... ثم بعد تخرجه مر بظروف صعبة لا يحق لي أن أتناولها في هذا المنشور ... ثم تشاء مقادير الله أن يكون له من إسمه نصيب :
صفي الدين ... نورالدين
فهو الان وبحمد الله من خيرة أطباء الأسنان في مدينة برج بوعريريج ، أخلاقا وسلوكا وعبادة وعلاجا، تواصلت مع أحد الاصدقاء القدامى الأستاذ الدكتور مداني بوبترة فأخبرني عن أحواله وخدماته وحتى أنه لا يأخذ من مرضاه أكثر من 400 دينار عن الضرس أو السن الواحد ... وهو خدوم متواضع وأن السنين صقلته ، الله أتاه من الحكمة الكثير ... والحمد لله معظم الذين كانوا معنا في الدفعة الاولى لجامعة سطيف هم الآن في أحسن حال في دينهم ودنياهم ... مع أن الزمن عمل عمله فينا وبعضهم رحل عن دنيانا رحمهم الله ... وأما الأحياء فأسأل الله لي ولهم التوفيق والثبات على النهج القويم ... كلنا تجاوز الستين وعلى أعتاب السبعين ربي يرحلنا رحول العافية وحسن الخاتمة ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري
