الدكتورعبد القادر سماري

هذه رسالة أرسلتها اليوم إلى زوجين شابين كاد الخلاف أن يهدم بيتهما ، ولكن بعد جهد جهيد، ولقاءات واتصالات رجعا إلى بعضهما البعض ... فكتبت لهما هذه الرسالة ... وأطلب منكم جميعا الدعاء لهما والدعاء لكل الازواج أن يؤلف الله بين الجميع ويصلح الاحوال ...

هذه رسالة أرسلتها اليوم إلى زوجين شابين كاد الخلاف أن يهدم بيتهما ، ولكن بعد جهد جهيد، ولقاءات واتصالات رجعا إلى بعضهما البعض ... فكتبت لهما هذه الرسالة ... وأطلب منكم جميعا الدعاء لهما والدعاء لكل الازواج أن يؤلف الله بين الجميع ويصلح الاحوال ...
الرسالة :
(( إلى فلان و فلانة … وقد جمع الله بين قلبيكما من جديد .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الحمد لله الذي ألّف بين القلوب، وأصلح ما كاد أن ينكسر، وأعادكما إلى بيتكما، وإلى بعضكما بعضًا.
أحمد الله وأشكره على هذه النعمة، وأشكركما أنتما أيضًا لأنكما استمعتما إلى صوت القلب حين صدق، وصوت العقل حين تجرد، ولم تجعلا لحظة غضب تهدم سنوات من المحبة والعشرة، ولم تسمحا للخلاف أن يكون أقوى من التآلف والوفاق.
لقد أعطاكما الله فرصة جديدة، وربما لا تكون هذه الفرصة مجرد عودة إلى البيت، وإنما بداية حياة جديدة بروح جديدة، ووعي جديد، وفهم أعمق لبعضكما.
لا تحاولا أن تعودا إلى الحياة التي كانت قبل الخلاف وكأن شيئًا لم يحدث؛ بل عودا وقد تعلم كل واحد منكما من أخطائه، وعرف ما الذي يؤلم الآخر، وما الذي يفرحه، وما الذي يجب أن يتجنبه.
لا تجعلوا الماضي سجنًا تعيشون فيه، بل اجعلوه مدرسة تتعلمون منها.
وتذكرا دائمًا أن الحياة الزوجية ليست كلها ورودًا وابتسامات؛ ستأتي أيام تختلفان فيها، وقد يغضب أحدكما من الآخر، وقد لا يفهم أحدكما موقف الآخر. وهذا من طبيعة الحياة.
المشكلة ليست في أن تختلفا، وإنما في كيف تختلفان، وكيف تعودان بعد الاختلاف.
إذا غضب أحدكما، فليتذكر أن أمامه إنسانًا يحبه، وليس خصمًا يريد الانتصار عليه.
وإذا أخطأ أحدكما، فليكن الاعتذار أسهل من المكابرة.
وإذا أخطأ الآخر، فليكن العفو أسرع من الانتقام.
ولا تسمحا لكلمة في لحظة غضب أن تهدم ما بنته سنوات من المحبة.
احترما بعضكما في حضور الآخر وغيابه، وتعاونا في شؤون البيت والحياة، واسندا بعضكما في الشدة قبل الرخاء.
لا تجعلوا الزواج مجرد حقوق وواجبات، بل اجعلوه سكنًا ورحمة ومودة، كما قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
"فلان" … كن ل " فلانة " زوجًا تطمئن إليه، وتجد عنده الأمان والرحمة والاحترام.
و " فلانة " … كوني ل " فلان " زوجة يجد عندها السكينة والوفاء والتشجيع والاحتواء.
وأنتما ما زلتما في بداية الطريق، وأمامكما ـ بإذن الله ـ عمر طويل وأيام كثيرة وأحلام مشتركة. فلا تضيعا أعماركما في الحساب والعتاب، بل ابنيا، وتعاونا، وتقدما معًا.
ولديكما أجمل أمانة بين أيديكما: ابنتكما الجميلة.
فاجعلاها تنشأ في بيت ترى فيه الحب بين أبيها وأمها، والاحترام بينهما، والتعاون والرحمة. لا يكفي أن نربي أبناءنا بالكلمات؛ إنهم يتعلمون أولًا مما يرونه في بيوتهم. فكونا لها القدوة قبل أن تكونا لها المربين.
ولعل الله، إذا صدقت النيات واستقامت الحياة، أن يرزقكما أبناء آخرين، فيكبر بيتكما، وتكبر معه أفراحكما، وترون أبناءكم وبناتكم من حولكما، يعيشون معكم في العز والنجاح والاستقامة والسعادة، وتكونون لهم بيتًا آمنًا ودفئًا لا يجدونه في مكان آخر.
واجعلا من هذه العودة أيضًا هدية جميلة لأم " فلان " وأبيه، ولأم " فلانة " وأبيها، ولكل من أحبكما ودعا لكما وخاف على بيتكما.
فما أجمل أن يراكما أبواكما اليوم وقد تجاوزتما المحنة، وأصبحتما أكثر حبًا ونضجًا وتفاهمًا، فيطمئن قلب كل أب وأم، ويفرح الجميع بعودتكما، ويقولون: الحمد لله… لقد انتصر الحب، وانتصر العقل، وانتصر الوفاء.
وأنتما ما زلتما شابين، وأمامكما ـ بإذن الله ـ سنوات طويلة، فلا تجعلا هذه المحنة مجرد صفحة مرت وانتهت؛ اجعلاها نقطة تحول حقيقية في حياتكما.
كونا نموذجًا للآخرين، وأثبتا أن البيوت قد تتعرض للعواصف، لكنها لا تسقط إذا كان فيها حب صادق، وعقل راشد، وإيمان بالله، واستعداد من الطرفين للتنازل والتسامح والإصلاح.
واجعلا بيتكما مكانًا للحب لا للصراع، وللحوار لا للصمت، وللتسامح لا لتسجيل الأخطاء.
ولكل واحد منكما دوره ومسؤوليته في هذه الحياة، ونجاح الأسرة لا يصنعه طرف واحد، وإنما يصنعه اثنان يتعاونان، ويتنازل كل واحد منهما أحيانًا من أجل الآخر، ويفرح بنجاحه كما يفرح بنجاح نفسه.
ولا تنسيا فضل الله عليكما في هذه العودة.
أكثرا من الحمد، واشكرا الله بالفعل قبل القول، واجعلا بيتكما بيتًا يُذكر فيه الله، وتُحفظ فيه المودة، وتُربّى فيه ابنتكما ـ ومن يرزقكما الله به من أبناء ـ على الحب والإيمان والرحمة والطموح والنجاح.
لقد منحكما الله فرصة… فلا تضيعاها.
ابدآ من جديد، ولكن هذه المرة بقلوب أكثر نضجًا، وعقول أكثر حكمة، ورحمة أكبر، وحب أعمق.
وإذا اختلفتما يومًا، فتذكرا هذه اللحظة… لحظة العودة.
تذكرا كم كان يمكن أن تخسرا، وكم أكرمكما الله حين أعادكما إلى بعضكما.
فلا تبحثا عن الكمال في بعضكما؛ ابحثا عن الخير، وساعد كل واحد منكما الآخر على أن يكون أفضل.
أسأل الله أن يؤلف بين قلبيكما، وأن يبارك لكما في بيتكما، ويحفظ ابنتكما، ويرزقكما من فضله أبناء صالحين ناجحين، وأن يجعل أيامكما القادمة أجمل من كل ما مضى، وأن يديم بينكما المودة والرحمة والسكن والوئام.

وأسأله سبحانه أن يقر أعين والديكما بكما، وأن يفرح قلوب أهلكما ومحبيكما، وأن يجعلكما بيتًا مباركًا، ونموذجًا جميلًا لكل من حولكما.
بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير، وجعل بيتكما بيت سعادة لا تنقطع، ومحبة لا تضعف، ورحمة لا تزول.
ولا تنسونا من دعائكم... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.))) ... انتهت الرسالة ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري