كلمة لا بد منها ... في الوضع الراهن ...
كلمة لا بد منها ... في الوضع الراهن ...
إن كانت الدول العربية عربية حقًا... فمتى تقول بكلمة جماعية وموقف جماعي : ((كفى)) ؟
لم يعد السؤال اليوم: ماذا يفعل النظام القائم في الإمارات في العالم العربي؟
بل أصبح السؤال الأخطر: إلى متى ستظل الدول العربية تسمح لدولة عربية ( الامارات ) ، مهما كان حجمها أو ثروتها، بأن تتدخل في شؤون دول عربية أخرى، وتبني نفوذها على حساب استقرارها ووحدتها وسيادتها؟ بل وتجعل حليفها الوحيد هو دولة الكيان المحتل ...
إن كانت الدول العربية عربية حقًا، وإن كانت الجامعة العربية أكثر من مجرد مؤسسة تصدر البيانات، وإن كان للأمة العربية حد أدنى من الشعور بالمصير المشترك، فقد آن الأوان أن تجمع أمرها، وتضع حدًا لهذا العبث الإقليمي ...
لسنا نتحدث هنا عن خلاف سياسي عابر، ولا عن منافسة اقتصادية مشروعة، ولا عن علاقات طبيعية بين دول ذات سيادة.
نتحدث عن نمط من السياسات الإقليمية التي ارتبط اسم النظام القائم في الإمارات بها، بحسب تقارير وتحقيقات دولية، بدعم أطراف محلية ومسلحة في عدد من ساحات الصراع العربي والإفريقي، من ليبيا إلى اليمن والسودان، وبناء شبكات نفوذ تتجاوز في كثير من الأحيان حدود المصالح الاقتصادية الطبيعية للدول.
ليبيا مثال صارخ:
فقد دعم النظام القائم في الامارات، وفق تقارير موثوقة، قوات أحد الاطراف سياسيًا وعسكريًا، في وقت كانت فيه ليبيا أحوج ما تكون إلى التوافق وبناء الدولة. ، لقد كان تدخل النظام القائم في الإمارات أحد أهم العوامل التي ساهمت في تعقيد المشهد وإطالة الانقسام.
وفي اليمن، لم يكن الخلاف مجرد اختلاف في التكتيك العسكري، بل وصل إلى دعم قوى ذات مشروع انفصالي، في بلد أنهكته الحرب والانقسامات، وهو ما جعل التنافس الإقليمي جزءًا من المشكلة بدل أن يكون جزءًا من الحل.
أما السودان، فالقضية أكثر خطورة:
الحرب السودانية التي أودت بحياة أعداد هائلة وشردت الملايين تحولت إلى ساحة لتدخلات خارجية متعددة. وفي سبتمبر 2026، تحدثت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة عن شبكات خارجية، بينها شبكات مرتبطة بالنظام الإماراتي، قالت إنها توفر موارد ودعمًا لقوات الدعم السريع.
وهنا يجب أن نتوقف.
أي عقل عربي يقبل أن تتحول دولة عربية إلى مصدر لتصفية الحسابات، أو أن تتحول ثروات بلد عربي إلى وقود لحروب أهلية المستفيد منها هم تجار الأسلحة ودهاقنة الحروب ؟
وأي منطق عربي يسمح بأن تتحول بعض الدول العربية إلى ساحات نفوذ تتنافس عليها القوى الإقليمية والدولية وبمباركة أطراف عربية، بينما يقف باقي العرب متفرجين؟
لسنا ضد الشعب الإماراتي... ولكننا ضد أن تصبح الإمارات فوق الدول العربية
هذه نقطة يجب أن تكون واضحة.
نحن لا نعادي الشعب الإماراتي.
لكن احترام الإمارات لا يعني الصمت عن سياسات نظامها القائم .
والعلاقات العربية لا ينبغي أن تقوم على الخوف من المال، ولا على المصالح الاقتصادية وحدها، ولا على قدرة دولة صغيرة أو كبيرة على شراء النفوذ السياسي والإعلامي والعسكري.
هناك فرق كبير بين أن تستثمر دولة في بلد عربي، وبين أن تستثمر في الصراع داخل ذلك البلد.
هناك فرق بين أن تساعد دولة عربية جارتها، وبين أن تساعد طرفًا على طرف هنا وهناك .
وهناك فرق بين الدبلوماسية وبناء الجسور، وبين صناعة شبكات النفوذ والميليشيات والتحالفات التي تجعل الدول العربية أضعف من الداخل.
السؤال إلى الدول العربية :
إذا كان النظام القائم في الإمارات يستطيع أن يتحرك ويحرك المرتزقة في ليبيا والسودان واليمن والقرن الإفريقي، وأن تبني نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا واسعًا، فلماذا لا تستطيع الدول العربية أن تجتمع لتضع قواعد مشتركة للسلوك العربي؟
لماذا لا تكون هناك خطوط حمراء؟
لماذا لا يكون دعم الانقلابات، أو الميليشيات، أو المشاريع الانفصالية، أو تفكيك الدول العربية، أو تمويل الصراعات الداخلية، جريمة سياسية عربية تستوجب موقفًا جماعيًا؟
ولماذا لا تكون الجامعة العربية مؤسسة قادرة على حماية الدول العربية من بعضها، كما تحاول حماية مصالحها من التدخلات الأجنبية؟
إن العرب لا يحتاجون إلى حرب مع الإمارات.
بل يحتاجون إلى شيء أكثر دقة وأشد قوة:
موقف عربي جماعي واضح.
موقف يقول للنظام القائم في الإمارات ولغيرها:
«ثرواتك لك، واستثماراتك لك، وعلاقاتك الدولية شأنك، ولكن أمن الدول العربية ووحدتها وسيادتها ليست مجالًا مفتوحًا للمنافسة والنفوذ.»
آن الأوان أن تتغير المعادلة
لقد دفعت الشعوب العربية ثمنًا باهظًا من الانقسامات والحروب والتدخلات الخارجية.
العراق دفع الثمن.
سوريا دفعت الثمن.
ليبيا دفعت وتدفع الثمن.
اليمن دفع ويدفع الثمن.
السودان يدفع الثمن .
وإذا استمر هذا المنطق، فلن يكون السودان آخر محطة.
وإذا كانت المشكلة الأساسية في سلوكات وتصرفات النظام القائموفي الإمارات ... فإن المشكلة أيضا في النظام العربي الذي يسمح لأي دولة عربية، كبيرة كانت أو صغيرة، غنية كانت أو فقيرة، بأن تتحرك منفردة في ملفات تمس الأمن القومي العربي كله.
ولهذا فإن المطلوب ليس فقط إدانة النظام الحاكم في الإمارات وإيقافه عند حده ، وإنما إعادة بناء النظام العربي نفسه ... والذي لطالما نادينا به ...
نريد مجلسًا عربيًا حقيقيًا للأمن القومي.
نريد ميثاقًا عربيًا يمنع تمويل الأطراف المسلحة داخل الدول العربية.
نريد شفافية في الاستثمارات العابرة للحدود.
نريد آلية عربية للتحقيق في التدخلات الخارجية.
ونريد أن تصبح سيادة الدول العربية خطًا أحمر لا يخضع للمساومات المالية والسياسية.
كلمة أخيرة
قد يقول قائل: وهل تملك الدول العربية القدرة على مواجهة النظام القائم في الإمارات؟
أقول:
المسألة ليست مسألة مواجهة نظام الإمارات، وإنما مسألة استعادة العرب لإرادتهم.
فالدولة التي تحترم نفسها لا تسمح لأحد، مهما كان ثراؤه، أن يعبث بأمنها.
والأمة التي تحترم نفسها لا تسمح بتحويل أبنائها إلى وقود لصراعات الآخرين.
والجامعة العربية التي تريد أن يكون لها معنى، لا يجوز أن تبقى متفرجة على تفكك الدول العربية ثم تكتفي بالبيانات.
لذلك أقولها بوضوح:
يا حكام العرب، إن كنتم عربًا حقًا، فاجمعوا أمركم.
وإن كنتم تؤمنون بأن للأمة العربية مصالح وأمنًا ومستقبلًا مشتركًا، فضعوا حدًا للعبث، أيًا كان مصدره، وأيًا كان المال الذي يقف وراءه.
لا نريد حربًا عربية ـ عربية.
ولا نريد إسقاط دول عربية.
ولا نريد الانتقام من شعب عربي.
نريد فقط أن نقول:
كفى.
كفى تحويل الدول العربية إلى ساحات نفوذ.
كفى تمويل الانقسامات.
كفى صناعة الوكلاء.
كفى العبث بوحدة الدول وشعوبها.
لقد آن للعرب أن يدركوا أن أكبر خطر على العالم العربي ليس فقط تدخل الآخرين فيه، وإنما أن يسمح بعض العرب لبعضهم بأن يفعلوا ذلك.
فإن لم تستطع الأنظمة العربية حماية أوطانهم من بعضهم، فكيف سيطلبون من العالم أن يحترمهم؟ ... بل كيف يطلبون من شعوبهم أن تحترمهم ؟ ...
د. عبدالقادر سماري