يوم أمس... كان يومًا خاصًا بامتياز!
يوم أمس... كان يومًا خاصًا بامتياز!
كثيرًا ما تمرّ بي أحداث ومواقف، فلا أكتب عنها ولا أنشرها.
معظمها يبقى حبيس المذكرات، لكن يوم أمس كان مختلفًا؛ فقد شهد حدثين هامين، أحدهما وطني، سيبقيان في الذاكرة، ولا استطيع تجاوزهما.
الحدث الأول: افتتاح مجمع الزاد التربوي :
كان موعدنا صباحًا مع الافتتاح الرسمي لـ مجمع الزاد التربوي التعليمي الخاص، وهو الملحقة الثانية لمدرسة الزهراء، بمدينة سطيف، هذا الصرح الذي نأمل منه الكثير.
المجمع يضم مختلف أطوار التعليم: التحضيري، والابتدائي، والمتوسط، والثانوي، بقدرة استيعاب تتجاوز 1400 تلميذ.
انتقلنا إليه منذ حوالي السادسة والنصف صباحًا، وبدأت العائلات والتلاميذ في التوافد تباعًا. أطفال في سن الخامسة، وشباب يقتربون من السابعة عشرة، وتلاميذ يلتحقون بالمجمع ، سيواصلون دراستهم في مختلف الأقسام.
كان الاستقبال رائعًا، واللقاء أروع، الجميع منبهر بمختلف المرافق.
في الساحة الكبيرة، ساحة العلم، التقى الجميع: التلاميذ، والطواقم التربوية والتعليمية، والاداريين، والأولياء، رجالًا ونساءً.، وأطفال من مختلف الاعمال، ومختلف الشرائح المجتمغية
رُفع وارتفع النشيد الوطني، فهزّ المكان، واستحضر في النفوس الجزائر، جزائر الشهداء والمجاهدين، جزائر العز والإباء، التي أحبها أبناؤها، فضحّوا من أجلها بالغالي والنفيس، وخلّدوا أسماءهم في تاريخها ...
ثم كانت كلمات المدير العام الموجهة للمجمع، كلمة للتلاميذ وأخرى للطاقم التربوي وثالث للأولياء ثم رجعت بنا للتلاميذ رأس المال وحجر الزاوية .
كان يومًا حافلًا؛ من استقبال التلاميذ إلى دخول الأقسام، والاستماع لبعض الدروس التي ألقاها معلمون وأساتذة ،إلى الغداء، ثم اللقاءات الجانبية، والحديث مع الأطفال أثناء فترات الراحة، ثم نهاية اليوم الدراسي، عندما، خرج الأطفال من الاقسام، ثم التفويج نحو الحافلات، التي انطلقت بهم مع مرافقيهم من موظفي المجمع، إلى بيوتهم في مختلف أحياء مدينة سطيف، بل وحتى إلى بعض البلديات خارجها، مثل العلمة.
كان يومًا تربويًا جميلًا، عنوانه العلم، والأسرة، والانضباط، والأمل في جيل جديد.
أما الحدث الثاني...
بينما كنا في آخر لحظات ذلك النشاط، وصلتني مكالمة من أخي عبد المؤمن أمّعوش، هذا الرجل الفاضل الذي عرفناه منذ أكثر من عشرين سنة، في ظلال مؤسسة الإحياء والتنمية عرفناه رجلًا خدومًا، معطاءً، محبًا للخير.
قال لي عبر الهاتف:
"اشتقنا إليكم، فهل يمكن أن تزورونا هذا المساء؟ وبودي لو تأتيني بمجموعة من الأصدقاء."
فما كان مني إلا أن اتصلت بعدد من الإخوة والأصدقاء، واتجهنا إلى هناك، إلى بيته ، صلّينا المغرب في مسجد الفرقان، ثم كنا ضيوفًا على أخينا عبد المؤمن في بيته.
وهنا بدأت حكاية أخرى...
بعد يوم كامل مع التلاميذ والأولياء والإداريين، وجدنا أنفسنا مساءً في مجلس آخر، مع ثلة من الأحباب والأصدقاء.،
والجميل أن بعض الحاضرين لم يكن يعرف بعضهم بعضًا، لكن الألفة سرعان ما جمعتهم.
كان بيننا الأستاذ الجامعي، والإداري، والإعلامي، والمقاول، والتاجر، والمسؤول، وغيرهم، وبكل تواضع واحتراما للجميع فلقد كان من بين الحضور خمسة علماء من مختلف التخصصات....
بعد تبادل التحايا قمت بواجب التعارف بين الحضور مع تعليقات هامشية ، كل واحد له قصته ومسيرته ، ثم تناولنا العشاء، وبعدها بدأ الكلام كل حسب ما حياه الله به، ونقاش راقي.
تحدثنا عن العلم ودوره في بناء الإنسان، وعن ضرورة الارتقاء بأبنائنا واستثمار كل العلوم والمعارف في خدمة الجزائر.
وتحدث آخر عن الأمراض الاجتماعية التي نخرت جسم الأمة والشباب، وفي مقدمتها المخدرات، وعن الأوضاع الاجتماعية التي لم تعد مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية الجميع، وتحتاج إلى صحوة جماعية وتعاون حقيقي.
وتناول أحد الإخوة قضية المدارس الخاصة، ودورها في تخفيف الضغط عن المدرسة العمومية، وضرورة التزامها بالبرنامج الوطني، وبما يحمله من علم وقيم وأخلاق، وبأن يكون لها دور حقيقي في الارتقاء بمستوى أبنائنا.
ثم ذهب النقاش أبعد من ذلك، عندما استحضر أحد الإخوة أمثلة لدول التي كانت، إلى وقت قريب، في مراتب متأخرة، ثم استطاعت بإرادة أبنائها أن تنهض وتتقدم وتتطور، وتحقق قفزات كبيرة في المجالات المختلفة.
وكان السؤال الذي يفرض نفسه:
لماذا لا تستطيع الجزائر أن تُحلِّق عاليا رغم كل الامكانات البشرية والمادية؟
وتحدث البعض عن أبناء الجزائر المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، وما يملكونه من علم وخبرة وتجارب وطاقات، مؤكدين أن الجزائر قادرة على أن تكون في مستوى عالٍ وراقٍ، إذا أحسنت استثمار أبنائها وإمكاناتها وخيراتها.
كان النقاش، بحق، رائعًا وعميقًا، وكنت أتمنى لو سُجّل كاملًا، لكنني حاولت أن أدون بعضًا من أفكاره الآن.
إن مثل هذه المجالس والنقاشات يجب ألا تكون استثناءً في حياتنا، بل نقوم بها في أعراسنا، وبيوتنا، ومؤسساتنا، وأعمالنا، ومجالسنا.
نحن بحاجة إلى أن نصنع الأمل، وأن نطلب الفأل ولو عمدًا، وأن نبث في أبنائنا وفي الجيل القادم روح العطاء، وروح البذل، وروح التضحية؛ فالجزائر تحتاج إلى جميع أبنائها، وتحتاج إليهم أكثر في ظل الظروف العالمية والإقليمية والمحلية التي نعيشها اليوم.
ثم ختمنا اللقاء بالدعاء؛ دعاءً طويلًا للجزائر والحضور وخلصنا دعاء لأخينا عبد المؤمن وأهله وبيته.
هذا اللقاء لم يكن مبرمجًا أصلًا، لكنه تحوّل، بقدرة قادر إلى ندوة علمية وفكرية في مستوى عالٍ.
الكل كان يأمل أن تتكرر مثل هذه اللقاءات بين الأحباب والأصدقاء؛ لقاءات لا تكتفي بتجديد المودة، وإنما تفتح أبواب التفكير، وتحرّك الهمم، وتصنع الأفكار، وتقدم شيئًا للجزائر.
قال عمي ( ناصري ) : هذا اللقاء ليس له ثمن، فهو يشترى بأحوال الدنيا كلها...
أنهينا لقاءنا في وقت متأخر، بعد صلاة العشاء، وككل اللقاءات دردشات واقفين قبل المغادرة لم نُرد لها أن تنتهي...
وأترككم مع صور الجلسة الأخيرة، ولعل من يعرف أحد الموجودين في هذه المجموعة، أن يعلّق بما يشاء، فله ذلك.
شكرًا، لأخي عبد المؤمن أمّعوش على كرم الضيافة وحسن الاستقبال، والشكر موصول لكل الإخوة والأحباب الذين صنعوا معنا هذه الأمسية الجميلة، عسى الله أن ينفع بها ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري









