الدكتورعبد القادر سماري

استوقفتني صبيحة اليوم تلك الآية التي يتعهد فيها إبليس أمام الله بإغواء البشر، فيقول:

استوقفتني صبيحة اليوم تلك الآية التي يتعهد فيها إبليس أمام الله بإغواء البشر، فيقول:
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
تأملت طويلاً في هذه العبارة:
﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
لم يقل: سأقعد لهم في طريق الكفر، أو في طريق المعصية، وإنما قال: سأقعد لهم على الصراط المستقيم!
وهنا تكمن واحدة من أخطر استراتيجيات إبليس.
فهو لا يطمع فقط في أن يخرج المؤمن من الإيمان إلى الكفر، بل إذا عجز عن ذلك، حاول أن يفسد عليه إيمانه من الداخل؛ يعبث بعقيدته، ويفسد عبادته، ويشوّه أخلاقه، ويضعف إخلاصه، ويفسد معاملاته، ويحوّل الدين عنده من حياة تُصلح الإنسان إلى مظاهر لا تغيّر شيئاً من سلوكه.
إبليس لا يهمه أن تكون خارج المسجد، إذا استطاع أن يجعلك داخل المسجد بلا قلب، وخارجه بلا أخلاق.
لا يهمه أن تحفظ القرآن، إذا استطاع أن يمنع القرآن من أن يسكن في أخلاقك ومعاملاتك.
ولا يهمه أن تكثر من الصلاة، إذا استطاع أن تبقى الصلاة حركة في الجسد لا أثراً في السلوك.
ولا يهمه أن تتصدق، إذا استطاع أن يفسد عليك نيتك.
ولا يهمه أن تطلب العلم، إذا استطاع أن يحوّل العلم إلى غرور، والاختلاف إلى خصومة، والحق إلى وسيلة للانتصار للنفس.
ولا يهمه أن تعمل للدين، إذا استطاع أن يدخل عليك حب الظهور، والتعصب، واحتقار المخالف، وسوء الظن بالناس.
إنها ليست معركة واحدة في مجال واحد، إنها معركة في كل مجالات الصراط المستقيم ...
إنها معركة على العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والمعاملات، والنية، والسياسة، والاقتصاد، والفن، والرياضة، والعلاقات، والمواقف، بل حتى على فهمنا للدين نفسه.
ولذلك لا ينبغي أن يطمئن المؤمن لمجرد أنه آمن، بل عليه أن يسأل نفسه دائماً:
ماذا صنع الإيمان بي؟
هل جعلني أصدق؟
هل جعلني أرحم؟
هل جعلني أعدل؟
هل جعلني أكثر تواضعاً؟
هل حفظت حقوق الناس؟
هل صارت عبادتي تزكّي أخلاقي؟
هل صار القرآن ظاهراً في سلوكي كما هو محفوظ في صدري؟
إبليس لن يتركك تطرح هذه الأسئلة على نفسك، وإذا طرحتها فإنه سيعمل على إبعادك عن حقيقة نفسك أمام هذه التساؤلات.
فقد ينجح إبليس في شيء ليس ببعيد عن خطر إخراج الإنسان من الدين ...
قد يترك له صورة التدين، وينزع منه روحها وجوهرها.
ولهذا قد ترى في بعض الأحيان من لا يؤمن بالإسلام، أكثر صدقاً في معاملة معينة، أو أكثر التزاماً بالنظام، أو أكثر إحساناً في بعض شؤون الحياة من مسلم؛ وهذا لا يعني أن الكفر خير من الإيمان، وإنما يكشف لنا خطورة أن استراتيجية إبليس حيث يتحول الإيمان إلى عنوان لا يترجم إلى سلوك، فيصبح فتنة للناس.
فالإيمان ليس بطاقة هوية، ولا مجموعة شعائر منفصلة عن الحياة.
الإيمان الذي لا يزكي صاحبه، ولا يصلح خلقه، ولا يحفظ حقوق الناس، هذا إيمان لا يقلق إبليس .
لقد أعلن إبليس استراتيجيته منذ البداية:
﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
وسيظل الصراط ميدان المعركة.
ولهذا فإن المطلوب ليس فقط أن نصل إلى الصراط...
بل أن نثبت عليه.
وليس فقط أن نؤمن...
بل أن نحرس إيماننا من أن يفسده الهوى والشيطان والنفس.
وليس فقط أن نعبد...
بل أن تجعلنا عبادتنا أفضل أخلاقاً وأصدق معاملة وأعدل موقفاً وأرحم بالناس.
فأخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يترك الدين فقط ...
بل أن يبقى في الدين شكلاً، ويغادره معنىً وأثراً ... وقد يصل إبليس إلى مراده حين نقارن غير المسلم المنضبط الصادق النظيف بالمسلم الذي فَقَدَ هذه المواصفات، فتكون المفاضلة ... ولعل هذا هو المقصود من الدعاء في القرآن : [ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا ] ... واللهمن وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري