الدكتورعبد القادر سماري

إذا فتحت هذه الصفحة أكمل القراءة ... رغم طول المنشور لعل فيه فائدة ووافني برأيك لنستفيد :

إذا فتحت هذه الصفحة أكمل القراءة ... رغم طول المنشور لعل فيه فائدة ووافني برأيك لنستفيد :
أعجبتني الصورة التي بثتها وسائل الإعلام المختلفة عن لقاء السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مع بعض النخب العلمية الجزائرية المقيمة في الخارج بمناسبة تأسيس هذا الإطار، واستبشرت خيرًا للجزائر، ورحت أجول بخاطري في بعض الذكريات وأنا أتتبع صورهم وأسماءهم، متمنيًا لهم التوفيق والسداد.
البعض منهم أعرفهم منذ كانوا طلبة هنا في الجزائر، والبعض الآخر أذكر أننا التقينا بهم في الندوتين الوطنيتين للطلبة في الخارج اللتين أقيمتا سنتي 1984/1985 تحت رئاسة السيد رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد رحمه الله، قدمنا من مختلف جامعات العالم ( الاتحاد السوفياتي - ألمانيا- أمريكا- السعودية- مصر - سوريا - فرنسا - بريطانيا ... ) حيث كان المبيت في الحي الجامعي في بن عكنون، وكانت الأشغال في قاعة حرشة حسان .
ذاكرتي لم تخنّي، فذهبت بعيدًا، تستحضر أسماء الكثير من الباحثين الجزائريين الذين عرفناهم في السنوات الخوالي.
بعضهم عاد إلى الجزائر في سنوات الثمانينات والتسعينات، في تلك الظروف التي يعرفها الجميع، وقدم ما استطاع للجامعة الجزائرية وللتنمية الوطنية، ثم مضت السنوات، وها هو اليوم يحال على المعاش.
وبعضهم الآخر آثر البقاء في الخارج، في أمريكا وفرنسا وبريطانيا والسويد وألمانيا وغيرها، وفي الظروف نفسها التي يعرفها الجميع، واستطاع أن يبني مسارًا علميًا ومهنيًا متميزًا، ويرتقي في مجالات تخصصه، وها هو اليوم يبدأ حياة جديدة بعدما تم الاعتراف به وبخبرته وبما راكمه من علم وتجربة.
لكل طرف ظروفه، ولكل واحد أسبابه، ولكل قرار قصته التي لا يعرف تفاصيلها إلا صاحبها.
لكنني، وأنا أتأمل هذه الصورة اليوم، تخيلت أن في داخل كل واحد منهم حديثًا طويلًا...
تخيلت الذي عاد إلى الجزائر يومها، وهو يقول في نفسه:
لقد اخترت أن أعود.
كان بإمكاني أن أبقى، وأن أبني مساري في الخارج، لكنني كنت أرى أن الجزائر بحاجة إلى أبنائها، وأن الجامعة بحاجة إلى أساتذتها وباحثيها، وأن الوطن الذي علّمنا وأرسلنا لنطلب العلم لا ينبغي أن نحرمَه من ثمرة ما تعلمناه، وخاصة في تلك الظروف الصعبة .
لم تكن الطريق سهلة، ولم تكن الإمكانات دائمًا في مستوى الطموح، وربما ضاعت علينا فرص كثيرة، وربما شعرنا أحيانًا أن ما نحمله من علم وتجربة أكبر من المساحة التي أتيحت لنا.
لكننا بقينا.
علّمنا أجيالًا، وبحثنا، وأشرفنا، وأسسنا، وتحملنا ما استطعنا.
واليوم، ونحن نغادر الوظيفة إلى التقاعد، نسأل أنفسنا:
هل كان يمكن أن نقدم أكثر؟
وهل كان يمكن للجزائر أن تستفيد أكثر من أبنائها؟
وهل ما فعلناه سيبقى بعدنا؟
وتخيلت الآخر، الذي بقي في الخارج، وهو يقول في نفسه:
أنا أيضًا لم أخن الجزائر.
لم يكن بقائي هناك بالضرورة رفضًا للوطن، ولا كان خروجي بحثًا عن حياة أفضل فقط.
كانت هناك ظروف، وفرص، ومسؤوليات، ومسارات بدأت ثم تشعبت.
وجدت نفسي أعمل في مختبر، ثم في جامعة، ثم في مؤسسة بحثية، ثم أصبحت مسؤولًا عن فريق، أو مشروع، أو مركز بحث...
كبرت تجربتي، وتوسعت شبكة علاقاتي، وتراكم علمي، وأصبحت أمتلك شيئًا ربما تستطيع الجزائر أن تستفيد منه اليوم.
لكنني، رغم كل هذه السنوات، لم أتوقف عن الشعور بأن لي وطنًا هناك.
وكنت أحيانًا أسأل نفسي:
هل ما زالت الجزائر تحتاجني؟
وهل يمكن أن أعود إليها، ولو جزئيًا؟
وهل يمكن أن أخدمها من حيث أنا، دون أن أقطع ما بنيته طوال هذه السنوات؟
ثم جاءت هذه الصورة...
صورة الجزائر وهي تستدعي أبناءها.
وربما قال كل واحد منهما في داخله، بطريقة مختلفة:
لقد مرت سنوات طويلة...
تغيرت الجزائر، وتغيرنا نحن أيضًا.
لكن الوطن لم يتغير في الذاكرة.
وهنا توقفت طويلًا...
لأن القضية، في نظري، ليست قضية من عاد ومن بقي.
وليست قضية من اختار الطريق الصحيح ومن اختار الطريق الآخر.
فكل واحد حمل الجزائر معه بطريقته، وكل واحد عاش زمنه بظروفه وقراراته وأعبائه.
القضية اليوم أكبر من ذلك.
القضية: كيف تستطيع الجزائر أن تجمع علم أبنائها، وتجاربهم، وشبكاتهم، وطاقاتهم، أينما كانوا، وأن تحولها إلى قوة للجامعة والاقتصاد والبحث العلمي والتنمية؟
فالذين عادوا يحملون ذاكرة الجامعة الجزائرية وتجربة البناء في ظروف صعبة.
والذين بقوا في الخارج يحملون تجارب علمية واسعة، وشبكات دولية، ومختبرات، ومؤسسات، وعلاقات، ومعارف راكموها على مدى عقود.
والجزائر اليوم تحتاج إلى الجميع.
تحتاج إلى من بقي فيها، وإلى من عاد إليها، وإلى من غادرها، وإلى من ظل قلبه معلقًا بها.
وربما أجمل ما في هذا اللقاء أنه لا ينبغي أن يكون مجرد صورة جميلة تجمع أسماء كبيرة، وإنما بداية لجسر حقيقي ودائم بين الجزائر ونخبها العلمية في الداخل والخارج.
جسر لا يقوم على العاطفة وحدها، وإنما على مشاريع، ومخابر، وبرامج بحث، وتكوين، ونقل للتكنولوجيا، ومرافقة للجامعات والمؤسسات الاقتصادية، وفتح الأبواب أمام الأجيال الجديدة.
وأنا أتأمل وجوه هؤلاء العلماء والباحثين، عادت بي الذاكرة أكثر من أربعين سنة إلى الوراء...
إلى طلبة كانوا يومها شبابًا يحملون أحلامًا كبيرة عن الجزائر.
واليوم، بعد كل هذه العقود، ما زال السؤال نفسه حاضرًا:
كيف نحول أحلام أولئك الشباب، وخبرات هؤلاء العلماء، وإمكانات الجزائر، إلى مستقبل أفضل لهذا الوطن؟
لعل هذا اللقاء يكون بداية الإجابة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله للجميع:
مرحبًا بكم في الجزائر...
فالجزائر لم تنسكم، والوطن الذي حملتموه معكم في غربتكم، يحتاج اليوم إلى أن تحملوا معه شيئًا من مستقبله.
أما أنتم، يا شباب الجزائر، ويا طلبة الجزائر اليوم، فهذه الرسالة لكم: لا تجعلوا الوطن مجرد مكان وُلدتم فيه، ولا تجعلوا الجزائر عنوانًا في جواز السفر أو اسمًا في شهادة الميلاد. اجعلوها حاضرة في عقولكم كما هي حاضرة في قلوبكم. أنتم اليوم في مرحلة القوة والعطاء وبناء المستقبل؛ فلا تنتظروا حتى تتقدم بكم السنون، أو تتراكم المسؤوليات، أو تكتمل المسيرة المهنية، لتسألوا: ماذا قدمنا لوطننا؟
ومن أخذ منحة إلى الخارج، أو أتيحت له فرصة الدراسة في جامعة أو مخبر أو مؤسسة علمية أجنبية، فليذهب وليتعلم، وليكتسب من العلم والخبرة ما يستطيع، وليفتح لنفسه أبواب العالم، لكن ليأخذ معه الجزائر في قلبه وعقله. لا يكن سفره قطيعة مع الوطن، ولا تكن المنحة مجرد طريق لبناء مستقبله الشخصي؛ بل ليجعل من علمه وخبرته وعلاقاته رصيدًا يمكن أن يعود به يومًا إلى الجزائر، أو يوظفه من مكانه لخدمة جامعتها واقتصادها ومجتمعها.
أيها الشباب، لا تؤجلوا خدمة الجزائر إلى الغد.
فالغد الذي نظنه بعيدًا يأتي سريعًا، وما بين سنوات الدراسة وبداية العمل، ثم المسؤوليات والأسرة، ثم التقاعد، تمضي الحياة. وقد رأينا اليوم أمام أعيننا علماء كانوا بالأمس طلبة شبابًا، فإذا بهم بعد أربعة عقود يقفون أمام الجزائر من جديد، وكل واحد منهم يحمل في قلبه قصة طويلة ...
فاخدموا الجزائر مهما كانت الظروف، لا تنتظروا أن تتحسن الظروف، وأن تتغير الأوضاع، وأن تتهيأ كل الشروط، ثم تقولوا: الآن جاء وقت خدمة الوطن؛ فقد لا يأتي ذلك الوقت بالطريقة التي نتصورها. الوطن يُخدم في الظروف السهلة والصعبة، وفي أوقات القوة كما في أوقات التعثر، وما ينبغي أن يكون أكبر من الظروف هو حب الجزائر والشعور بالمسؤولية تجاهها وخدمتها. وربما كان على الواحد منا، في بعض مراحل حياته، أن يتنازل عن شيء من الراحة، أو عن بعض البرستيج، أو عن بعض الامتيازات الشخصية، وأن يقبل أن يبدأ من جديد، أو أن يعمل بعيدًا عن الأضواء، إذا كان في ذلك نفع لوطنه. فالسؤال الذي ينبغي أن يسأله كل واحد منا ليس فقط: ماذا ستعطيني الجزائر؟ وإنما أيضًا: ماذا أستطيع أن أعطي الجزائر، حتى في الظروف الصعبة ؟
فاخدموا الجزائر وأنتم شباب وكهولا وشيوخا، بعلمكم، وبأخلاقكم، وبإتقانكم، وبأفكاركم، وبمبادراتكم، وبنجاحكم أينما كنتم. لا تنتظروا أن تكونوا وزراء أو أساتذة كبارًا أو أصحاب مناصب حتى تشعروا أن لكم دورًا؛ فالوطن يُبنى كل يوم، وكل واحد يستطيع أن يضع لبنة في بنائه.
الجزائر لا تطلب منكم أن تختاروا بين أن تنجحوا أو أن تحبوها وتخدموها ؛ بل أن تنجحوا في العالم ولا تنسوها وتكونوا جنودا لها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتركه للأجيال القادمة أن نقول لهم:
تعلموا حيث شئتم، وارتقوا حيث استطعتم، وافتحوا لأنفسكم أبواب العالم كلها، لكن لا تغلقوا باب الجزائر في قلوبكم وعقولكم وأيديكم... فالوطن الذي أعطاكم الاسم الأول، يستحق منكم أن تعودوا إليه بشيء من العلم الذي أخذتموه في مختلف أرجاء العالم ... والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري