كورونا وامتحان السيزيام :
كورونا وامتحان السيزيام :
قصة هذا المنشور أنني البارحة بعد أداء صلاة العشاء، مع الاولاد، آويت إلى فراشي مباشرة ، فأنعم الله علي بغفوة عميقة، استفقت كانت الساعة قد قاربت الحادية عشر ليلا 23:00، قمت وكأنني نمت الدهر، تذكرت حديث الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، عن الذي يستيقظ من الليل حيث قال :
(مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ).
ذكرت الله وأديت ما أستطيع، ثم تطلعت إلى الهاتف، وجدت أحد الإخوة ( الاستاذ الوزير الاسبق الهاشمي جعبوب ) قد حاول الاتصال بي قبل ساعة وأنا أغط في نومي، كنت أعلم أنه يسهر، اتصلت به استفسر لعل هناك جديد، بعد السلام والتحية وتبادل الأشواق والسؤال عن الاهل ووالدته أطال الله عمرها والترحم على الاموات ، قال لي : سامح الله أصحاب المناشير المزعجة في الفايس بوك الذين يثيرون الناس ويزعجونهم بل ويقذفون في قلوبهم الخوف والهلع.
قلت: إني أتابع بعضها وكأن أصحابها لا يعرفون الأمل ذوي النظارات السوداء.
قال : المطلوب كتابات تبعث الأمل والطأنينة وراحة البال أمام هذا الوباء.
قلت : سأحاول أن أكتب في هذا المعنى في الايام القادمة.
انهينا المكالمة، رجعت إلى فراشي وعقلي وفكري مع ما قال أخي الهاشمي، سرعان ما غلبني النعاس، حتى الثالثة صباحا، فتحت عيني وأنا أتمتم :
( كورونا ما هي والو هي مثل امتحان السيزيام )
فسامحك الله أخي الهاشمي، دفعتني إلى أمرين :
- الأمر الاول: أن أخلف موعدي مع أصدقاء هذه الصفحة لأني وعدتهم أن يكون منشور اليوم حول ما يجب أن تفعله الحكومة تجاه المواطن في محنة كورونا، فها أنا أؤجل ذلك تحت ضغط كلماتك.
- الأمر الثاني: أن أتذكر أحداثا كانت قبل خمسين سنة فأذهبتَ عني النوم .
فأقول:
كورونا و امتحان السيزيام متشابهان.
فكلاهما يأخذ وقتا ثم ينتهي وتبقى فقط ذكرياته،
وكلاهما يتطلب حجرا في البيت .
وكلاهما يتطلب الانتباه لما يجب أن تقوم به.
وكلاهما يفرض عليك أن تكون متوكلا على الله.
وكلاهما يتطلب منك أن تكون قوي الإرادة منضبطا متفائلا.
وأخيرا كلاهما يدفعك إلى أن تكون من الناجحين بعد الامتحان وتتهيأ لذلك النجاح .
الفرق بينهما أن السيزيام امتحان يؤديه الاولاد الصغار ترافقهم عناية الوالدين والمعلمين والإدارة، سواء أحس الاطفال بهذه العناية أو لم يشعروا بها، أما كورونا فهو امتحان تؤديه البشرية كلها ترافقها العناية الربانية بملائكة الرحمن الحفظة البررة، سواء شعر البشر بهذه العناية أو تناسوها،
أما صاحب هذه الكلمات فيقول لأصدقاء هذا الفضاء بأنني أشعر بالعناية الربانية وما وفرته لنا من تذكير وإشارات، كما شعرت بعناية الاهل والمعلمين قبل وأثناء امتحان السيزيام، كان ذلك بداية سنة 1970، كنت قد قاربت سن 11 سنة، الوالدين( سيدي عمار وأُما جميلة رحمهما الله ) وأخي الاكبر الحاج الميلود وأختيَّ الاكبر مني حمامة وصديقة وأعمامي وأخوالي، ومعلم العربية سيدي علي بن حسن، ومعلم الفرنسية سيدي الحاج بوصاحة رحمه الله، كلهم كانوا لا يفوتون الفرصة من بداية السنة وهم يكررون : هذه السنة راك رايح تعدي السيزيام، هذا يعدك بساعة والآخر يعدك بدرّاجة والآخر يعدك بكرة قدم، والآخر يقول لك ستكون دكتورا أو طيارا أو مهندسا، استمرت العناية، وبقيت فيما يشبه الحجر المنزلي، خلاص انتهى اللعب مدة تقارب الاربعة أشهر ، بين ثلاثة أماكن : المنزل - المدرسة - الجامع مع حفظ القرآن.
حتى يوم الاثنين من شهر جوان 1970 فجرا، ألبسوني أفضل ما كان عندي، حضّرت أمي مع أختي بعض الحلويات، شيعوني عند باب الدار رافقني سيدي عمار إلى مدرسة عبدالرزاق العيدي براس الوادي، كنت فرحا بخوف أو قل خائفا بفرح.
وجدنا السيد المدير عبدالله معتوق رحمه الله والمعلمين وجمع من التلاميذ ، ربتوا على أكتافنا بكلمات تشجيعية ثم ركبنا سيارة 404 باشي متجهين إلى برج بوعريريج لأداء امتحان السيزيام، في الصباح العربية، في المساء الفرنسية، رجعنا إلى رأس الوادي، انتهى الحجر، بعد شهر وصلت النتيجة عمت الفرحة، قطفنا ثمار الصبر والمثابرة والالتزام ...
كورونا امتحان من الله لنا، كيف نصبر على البقاء في البيت، كيف نصبر على ترك عاداتنا اليومية التي معظمها لا حاجة لنا بها، كيف نتعود على الأكل في البيت دون الحاجة لمصاريف جانبية، كيف نتعود على أن نشرب القهوة من يد زوجاتنا وأزواجنا وأبنائنا، كيف نتعود على النظافة والطهارة ... مع هذه الكلمة الأخيرة ( الطهارة ) ، تذكرت درسا للشيخ محفوظ رحمه الله تحت عنوان :
( وثيابك فطهر ) أبدع فيه أيما إبداع: طهارة القلب، طهارة اللسان، طهارة الفكر، طهارة العقل، طهارة الجسم ، طهارة اللباس، طهارة الصحبة ... اسمحولي ذهبت بعيدا.
المهم كورونا مثل السيزيام امتحان سرعان ما يزول بإذن الله.
ولكن الأهم فيها أن نكون منضبطين محافظين على أنفسنا وعلى من نحب ... ثم نتهيأ لما بعدها ب :
قوة الايمان،
الشوق للرجوع للمساجد،
كيف نتخلص من تلك العادة السيئة : الجلوس في المقاهي وعلى قارعة الطريق.
كيف نتخلص من المواعيد المشبوهة،
كيف نتخلص من سرطان وآفة التدخين،
الاستمرار في النظافة،
الاستمرار في العناية بمن نحب،
الاستمرار في الاقتصاد،
حسن تسيير أحوالنا ...
كورونا منحة في محنة لو نحسن النظر فيها وفي مآلاتها.
ونتيقن بأنه لن يكون من الله إلا الخير، ونتفنن في توظيف قضاء الله فيما يصلح حالنا، فالخير في كل قضاء يقضيه الله.
د. عبدالقادر سماري