معذرة مسبقا فالمنشور طويل ولا يمكن تجزئته:
معذرة مسبقا فالمنشور طويل ولا يمكن تجزئته:
محاذير وتنبيهات في فتنة كورونا:
الفضل في هذا المنشور التحذيري يرجع بعد الله إلى المجاهد فاعل الخير عمي أحمد عويسات، حفظه الله، الذي تربطني به علاقة منذ أكثر من 20سنة، طيلة هذه المدة يوميا نتواصل قبل أو بعد صلاة الفجر، ما عدا الايام التي نكون فيها مشغولين، كل كلامنا كان عن الاسلام، الجزائر، الثورة، فلسطين، الصحوة، الأبناء والعائلة، الآخرة، الجنة والنار ... أول أمس ،الخميس، كعادته، إتصل بي بعد صلاة الفجر، بعد تبادل السلام والسؤال عن الأحوال، قال لي : اسمع يا دكتور، الظاهر رانا غالطين، واليوم كلمتك كي تكتب للناس لعلهم يتذكرون.
قلت : والله إنني أحاول أن أكتب ما ينفع، فماذا تريدني أن أكتب؟
قال: اسمع، نمت البارحة وأنا مهموم بهذا الوباء الذي مس البشرية، وكنت أردد : يا منجي محمد بالعنكبوت نجنا بما تشاء...
وقبل قليل لما استفقت، فتحت التلفاز فإذا بالقاريء يستفتح، وأنا أقول في نفسي إن شاء الله الحل في الآيات التي يقرؤها، فبعد التعوذ والبسملة: بدأ القاريء ( ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون ...) سورة العنكبوت،
وأكمل عمي أحمد: كأنني أسمع هذه الآيات لأول مرة، وكأنها تنزل الآن في هذه الفتنة، وكأن الله يقول : إن ما أنتم فيه هو فتنة فاثبتوا على الحق واحذروا مخلفات هذه الفتنة،
ثم قال : أكتب للناس وقل لهم يقرؤوا سورة العنكبوت ويتدبروها ففيها الكثير من العبر لمثل هذا الوضع الذي تعيشه البشرية.
قلت: إن شاء الله سأفعل.
بعد المكالمة، جلست بين يدي كتاب الله، سورة العنكبوت، أتدبر آياتها - 69 - :
كلام عن الفتنة وخال الناس أمامها، توجيهات حول أنواع العمل الصالح ( بر الوالدين ، الصلاة ... ) بعدها أحوال الناس أمام الفتن ( المؤمن، الكافر، المنافق ) ثم عبر من قصص بعض الانبياء والاقوام ( نوح، ابراهيم، لوط، شعيب ، قوم عاد، قوم ثمود، قارون، فرعون، هامان ...) ثم عرض لأنواع هلاك الامم السابقة ( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )
ثم توجيهات إيمانية:
الصلاة، التدبر في الخلق، التدبر في كتاب الله، كيفية مجادلة ونقاش غير المسلمين ...
ليصل إلى التذكير بالمصير المحتوم لكل مخلوق :
( كل نفس ذائقة الموت)
ثم يقدم لنا صورة عن حقيقة الحياة : (لعب،لهو...)
وأخيرا النتيجة الحتمية للخلق بين مقامين :
- الظالم، المفتري، المكذب بالحق: (أليس في جهنم مثوى للكافرين)
- المؤمن،المحسن، المتقي، الصالح، المصلح ( إن الله لمع المحسنين )
ختمت السورة، مستحضرا، حقيقة هذه الفتنة المتعلقة بوباء كورونا وما هي مخرجاته وما هي المحاذير التي يجب أن لا نقع فيها، وجدت نفسي أمام قضايا وأمور تتطلب من كل مسلم شهد شهادة الحق أن يتوقف عندها بعد أن يأخذ الحيطة والحذر ويلتزم بمتطلبات الوقاية :
- أن يوطن نفسه ويتيقن بأن المحيي هو الله والمميت هو الله (يحيي ويميت )، يقينا لا يساوره أدنى شك، والشافي هو الله ( وإذا مرضت فهو يشفيني ).
- أن يعتبر كورونا جنديا من جنود الله، فمهما كان مصدره والمتسبب في وجوده، فهو لن يخرج عن كونه مخلوقا من مخلوقات الله، يأتمر بأمر الله وتسري عليه سنن الله في خلقه، وأنه سيفنى ويهلك ( كل من عليها فان ) ( كل شيء هالك إلا وجهه ).
- أن يوطن نفسه على الطمأنينة والسكينة وراحة البال، ويعلم علم اليقين أن شياطين الانس والجن تبث الخوف والهلع في الناس ليخافوا كورونا أكثر من خوفهم الله ( ذالكم الشيطان يخوف أولياءه )، فكثير من الناس يتسبب في قتلها الخوف والوهم.
- أن يعلم بأن شياطين الانس سيستغلون هذا الوضع ليُمكِّنوا لأنفسهم سياسيا واقتصاديا وأمنيا، ربما يًرْدَعُهم لبعض الوقت ولكن سرعان ما يرجعون لِغَيِّهم وطغيانهم (فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون )
- ليعلم كل مؤمن أن الشيطان وأولياءه لن يتوقفوا أبدا عن الصد عن سبيل الله، ولن يهدأ لهم بال وهم يرون المسلمين يلجؤون إلى الله ويتضرعون إليه، فهم الآن خائفون من أن يخرج المسلمون من هذه المحنة أكثر إيمانا وأشد عزيمة وإصرارا على العمل وتغيير هذا الوضع البئيس الذي تعيشه البشرية.
- على المؤمن أن لا يستلذ إبتعاده عن المسجد، بل عليه أن يبكي ويتباكى عن هذا الإبتعاد والابعاد، فهو يترقب قُرب كشف هذا الغم وزوال هذه الفتنة ليرجع لمحضنه وركنه الركين، رجوع ذاك الصبي إلى حضن أمه بعد أن أُبعد عنها، رجوع ذاك المنفي عن وطنه بعد أن نفي منه، فعلى المسلم أن تسكن عقلَه وقلبَه وفكرَه ووجدانَه لحظةُ الانفراج فهو يتطلع إليها بشغف.
- على المؤمن أن يحزن ويبكي ويحترق قلبه ويتألم لهذا الفراق بينه وبين أبيه وأمه وأخيه وإبنه وزوجته وصديقه وشيخه وتلميذه فلا هو يستطيع رؤيته، فإن رآه لا يستطيع مصافحته، وإن صافحه فهو في وجل وخوف، كورونا ما هو إلا فتنة صغيرة عابرة فكيف ستكون أهوال القيامة ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه )
- على المؤمن أن ينتظر بفارغ الصبر لحظة زوال هذه الفتنة ليُهَرْوِل إلى أمه وأبيه وجده وجدته وابنته وابنه واخته وأخيه وصديقه وشيخه وتلميذه وجاره، ليستأن بالقرب منهم ومصافحتهم وشم ريحهم والنظر إلى وجوههم والأكل من أيديهم ورص الصفوف معهم.
- على المؤمن أن يغتنم هذه الفرصة، فرصة الحجر، لتكون خلوة له مع الله للإستئناس بالله ،للمصالحة مع خالقه، لتعهد كتابه، لإصلاح نفسه، للوقوف على أخطائه، لمراجعة ذاته، كيف كان حين يغضب، كيف كان حين يتاجر، كيف كان حين يعمل، كيف كان حين يرغب في شيء... إنها فرصتي وفرصتك.
- وأخيرا، وليس آخرا، على المؤمن أن يتهيأ لما بعد كورونا، فغيرك قد أعد العدة، ووضع الخطط، ودرس الاحتمالات، وأنت كيف ستكون تجاه نفسك، تجاه أهلك، تجاه دينك، تجاه وطنك، تجاه فلسطينك، تجاه أقصاك، تجاه مشروعك، تجاه إيمانك وإسلامك بكل ما يحمل من ( أمانات وعهود والتزامات ) ...
وما عليّ الآن إلا أن أرجع بنفسي وبك أخي القاريء إلى بداية الحديث: ( أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ... ) اقرأها وتدبرها وخذ لنفسك من نفسك، وخذ من فراغك لشغلك، وخذ من غناك لفقرك، وخذ من صحتك لمرضك، وخذ من شبابك لهرمك ... وخذ من حياتك لموتك.
أما صاحب هذه الكلمات فشوقه لأهله وأحبابه ومشايخه وإخوانه وربوع وطنه ومساجده وجلساته، شوق قد أحرق كبده وأفطر قلبه داعيا لهم العفو والمعافاة منتظرا ساعة اللقاء ... أما الشوق الأكبر فلأولئك الذين هم في البرزخ يرفلون في النعم، الذين أناروا لي الطريق وهيؤوا لي الدرب أولهم المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي لم تكتحل عيني برؤيته إلا في المنام فيا شوقاه له، وثانيهم أمي والدتي التي فارقتني بعد أن اشتد عودي ولم يتهيأ لي الوقت لأرد جميلها ورعايتها ، لكِ الله يا جميلة، وثالثهم سيدي عمار الذي كان لي مُآزرا وداعما ومربيا ومعلما هو أيضا فارقني بعد أن اشتد عودي وانهيت دراستي وبدأت العمل، كنت أنتظر أن أرد بعض أفضاله ولكن عاجَلَه القدر كأنه قال لي ( يحتاج منك الدعاء أما الدنيا فلم يكن يعبأ بها ) لكَ الله يا سي عمار، ورابعهم مجموعة كبيرة من الفضلاء والمربين والدعاة الذين رافقوني في مسيرتي وأكرمني الله بصحبتهم والأخذ عنهم والتزود منهم، أذكر منهم سبعة على سبيل المثال لا الحصر ( جدي الحاج الضيف، سي أحمد بلحاج الصالح، الشيخ محفوظ نحناح، الشيخ بوسليماني، الشيخ عبدالرحمن شيبان، الشيخ بن مالك أمقران ، الشيخ باي بلعالم ) رحمهم الله وأحسن وفادتهم وثبتنا على النهج الذي رسموه وألحقنا بهم لا فاتنين ولا مفتونين ... ربما وفيت بعض ما طلب مني الحاج أحمد.
د. عبدالقادر سماري