كيف لك يا قلبُ أن تتحمل آثار الذكريات التي ترسخت فيك،
كيف لك يا قلبُ أن تتحمل آثار الذكريات التي ترسخت فيك،
وكيف لك يا عقل أن تستفيد من دروس الماضي التي مرت عليك،
وكيف لك يا فكر أن تظل مستنيرا بالمواقف التي سيقت إليك ...
في فجر اليوم الثاني من رمضان، كانت الذكريات هي سيدة الموقف، فبعد السحور، صلينا النافلة، ثم أصطف الاهل لأداء الفريضة، أُقيمت الصلاة، وقفت أمامهم:
(إستووا يرحمني ويرحمكم الله، صلوا صلاة مودع، إسألوا الله من فضله، استغلوا السجود لمناجاة ربكم، والركوع لتسبحيه وتعظيمه ... ) قلت هذه الكلمات وأنا استحضر عشرات من صور المشايخ والعلماء الذين يسر الله لي الصلاة وراءهم، كثير منهم الآن هم في حياة البرزخ: الحاج الضيف سماري، الحاج عمار سماري، الشيخ محمد الصادق سماري، الشيخ سي أحمد بلحاج الصالح، الشيخ الخير بوادي، الشيخ سي العيد بخوش، الشيخ خبابة المفتي، الشيخ رابح بلمدور، الشيخ سحنون، الشيخ محمد السعيد، الشيخ فيصل مولوي، الشيخ زهير الشاويش، الشيخ شرفي الرفاعي، الشيخ بوسليماني، الشيخ محفوظ، وآخرون ... رحمهم الله، أفضوا إلى ربهم بعد أن أدوا الذي عليهم وسأشهد لهم بذلك إن أذن الله لي...
قرأت الفاتحة، ثم توقفت لثواني، بأي سور القرآن أقرأ، خاطرتان تمكنتا من فكري لسورة واحدة، الاولى أنه رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان كثيرا ما يقرأ في الفجر بسورة ( ق ) والخاطرة الثانية لما عُيِّنت وزيرا، جلست مع الشيخ محفوظ رحمه الله، تدارسنا بعض الأمور ثم قال لي : حاول أن تستفتح كل يوم لك في الوزارة بسورة ( ق ) فإنها ستكون لك خير معين.
كنت كلما قرأتها أحس بوقع حروفها وقوة كلماتها وعظم آياتها وجلال الصور التي تقدمها.
كانت ( ق ) هي السورة في الركعة الأولى، أما الركعة الثانية فكانت مع سورة أخرى، سورة كنت أتلذذ بسماع والدي( سيدي عمار رحمه الله) يقرؤها ، سورة (الإنشقاق) تأخذني بعيدا كلماتها وخاصة قوله تعالى الذي يتردد مرتين ( وأذنت لربها وحقت ) بعد القراءة توقفت لثواني متدبرا حالي، وحال أهلي وأقاربي، وحال شعبي ووطني، وحال الأمة وفلسطين واليمن وسوريا والعراق وليبيا، وحال المضطهدين في الارض، وحال البشرية ومعاناتها مع الوباء والربا والفحش والظلم والقمار والمخدرات، وخال الشباب، والحُكام، والعلماء والتجار ... وبدأت في دعاء القنوت، متضرعا إلى الله، مستمطرا رحماته، مستجلبا رأفته، طالبا عفوه وصفحه، تذكرت كثير من مرضانا فدعوت الله لهم بالشفاء، وقلبي معلق بأربعة منهم، وتذكرت موتانا، وما أكثرهم، فتوسلت إليه، سبحانه، أن يرحمهم.
قلت في نفسي : سامح الله إخواننا الأئمة الذين حرمونا من القنوت في زمن لا يصلح له إلا القنوت، وأكيد ما جعل الإمام مالك رحمه الله القنوت ذي مكانة إلا لمثل ما نحن فيه، وربما جاءت ( كورونا ) لنتضرع إلى الله بالقنوت في بيوتنا بعد أن حُرمنا منه في كثير من مساجدنا ... أنهيت الصلاة وبعدها التسابيح والتحاميد والتكابير ... ثم بدأنا بقراءة المأثورات ... رحم الله ( الإمام البنا )، كيف جمع نصوص الوظيفة الكبرى والوظيفة الصغرى، من القرآن والأدعية المأثورة عن سيد الأنام، أي نور أرشده إلى هذه التركيبة البهية النيّرة، لا أكشف سرا إذا قلت بأنني كنت مولعا بدلائل الخيرات أقرؤها مع جدي وأبي، كما أنني استمعت وجلست إلى الشيخ عبدالجبار رحمه الله في ورد تلطريقة التيجانية، وورد الشيخ عبد المجيد رحمه الله شيخ الزاوية الحملاوية، وقرأت أوراد الشاذلية وتسابيح السهروردي وغيرهم ، غير أنني لم أجد أشمل وأبلغ وأكثر تناسقا من المأثورات، قرأناها بخشوع وتدبر، ولكن كلمات من سيد الاستغفار أخذت بمجامع قلبي وعقلي وفكري إنها قوله ( ... وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ... ) إنه ذاك العهد وذاك الوعد الذي قطعه ابن آدم على نفسه في خضرة ربه في بداية البدايات ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربكم قالوا بلى شهدنا ... ) لقد شهدنا على أنفسنا بأنه ربنا وسنكون له عبيدا... ولكن أي قوة لدينا للوفاء بهذا العهد وهذا الوعد إن لم يمددنا هو بقوته ... يا رب لا حول لنا ولا قوة، فأمددنا بحولك وقوتك للوفاء بعهدك ووعدك، أي استطاعة نملك وأي سبب نأخذ به، وهو وحده سبحانه رب الأسباب، رحت مع معانيها بعيدا ... بعيدا ... ثم استرجعني أحد الأبناء وهو يقرأ دعاء الرابطة ( اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب ... ) ومرة أخرى تطوف حولي عشرات، مئات، آلاف الأطياف من الذين عرفتهم في طريقنا وسيرنا إلى الله، استحضرت صور وأسماء بعضهم، من رحال ونساء، كان الابن يردد ( ... وتعاهدتْ على نصرة شريعتك، فوثق اللهم رابطتها وأدم وُدها واهدها سُبُلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو ... وأحيِها بمعرفتك وأمِتها على الشهادة في سبيلك ... ) كنا نؤمن على هذه الدعوات، ونرة أخرى كان قلبي وعقلي وفكري في فضاءات لا أستطيع أن أبوح بها وإن أردت فلن أتمكن من تصويرها ...
انهينا المأثورات، شكرت الابناء والاهل جميعا، بقيت متسمرا جالسا في مكاني، وأنا أتابع بنظراتي الحانية كل واحد وكل واحدة وهم يغادرون المكان الذي اخترناه ليكون مصلى لنا خلال الحجر.
غادر الجميع، أشرت إلى أم الأولاد أن تتقدم، فلما دنت قلت لها : أتدرين لأي مشهد يشبه هذا الحال،
قالت : أي مشهد
قلت : مشهد أن يبقى الانسان وحده وينفض الجميع .
فهمتْ قصدي، فوقفت تتأملني، وبقيت أنا أردد إن هذه الصورة تشبه ذاك المشهد الذي يرافقك الكثير ثم تبقى وحيدا،
ذاك اليوم آتٍ لا محالة... يوصلك الأهل والأحباب إلى المحطة التالية من هذا الوجود
وسيتركونك وحدك، يا عبد القادر، لن تلحق بهم، ولن يقدر أحد أن يرجع إليك ليسألك : هل تريد شيء ؟ هل لك حاجة ؟
حتى وإن تشجع أحدهم ووقف على قبرك وناجاك، فلن تستطيع إجابته ولن يملك لك شيء ...
هل سيتحمل قلبي وعقلي وفكري... لا لن يستطيع إلا بمدد منه سبحانه ...
في هذه اللحظات تشرق شمس اليوم الثاني من رمضان ... تقبل الله منا ومنكم.
د.عبدالقادر سماري