جلسة علمية منهجية صادقة، تمنيت لو كان معنا فيها القائمون على شؤون البلد لعلهم يتقون أو تحدث لهم ذكرى :
جلسة علمية منهجية صادقة، تمنيت لو كان معنا فيها القائمون على شؤون البلد لعلهم يتقون أو تحدث لهم ذكرى :
إتصل بي بعض الأصدقاء ليسألون عن الاحوال، ثم طلبوا مني لقاءً نتبادل فيه الرؤى، قلت : لقد بدأ رمضان، ونحن في الحجر، فاتركونا نخلو بعض الوقت.
أصر متحدثي قائلا : أمر المسلمين عبادة، وأمر البلاد عبادة، والتفكير الجماعي في حالتنا عبادة، وأنت دائما تتكلم وتقول من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، خلينا نشوفوك (ولا نطيل) مثل ما كنت أنت تكتب ونلتزم بالوقاية والكمامات؟
قلت له مازحا : ولكنني تنازلت عن هذه الكلمة لأنني أصبحت أطيل وكل المواضيع تتطلب الاطالة.
قال : أعدك أن لا نطيل.
وجدت أن كلامه فيه حجة وقوة فأتفقنا على اللقاء بشرط احترام مسافات الأمان والوقاية، حددنا الموعد قبل صلاة العصر ليتسنى لهم الرجوع إلى بيوتهم قبل بداية الحجر ( 17:00 )، لعلهم يعينون زوجاتهم في تحضير فطور اليوم الثاني من رمضان استقبلتهم في البيت، في سطيف، تصافحت القلوب، وتعانقت الارواح، احترمنا توجيهات الوقاية من فيروس كورونا فجلسنا متباعدين .
تأملت وجوه ضيوفي رأيت فيها شيئا من الحيرة والقلق والهمِّ، تساءلت في نفسي : كل واحد من هؤلاء له مكانته وقيمته، شهادات عالية، دراسات عليا، تخصصات محترمة، مشاركة في الاعمال الخيرية، تأطير ماستر ودكتوراه، مشاركة في مؤتمرات علمية عالمية، حوارات إعلامية، فما لهم ولهذه الهموم البادية عليهم ؟
طرحت هذا السؤال ثم تذكرت قول ذاك الذي لامته زوجته عن الهموم التي هو فيها فأجابها بهذا البيت من الشعر، الذي حفظته من صغري، وهو لي سلوى وتسلية، قال :
( وقائلة لِمَ عَلَتْك الهموم وشأنك مرتفع بين الأمم :: فقلت دعيني على حالتي فإن الهموم بقدر الهِمم )
فَلَمْ أشأ أن أسأل ضيوفي عن هذه الحيرة، فبادرني أحدهم بالقول :
يا أستاذ وين راهي رايحة الحالة؟
قلت، متسائلا في غباء : واش من حالة؟
قال الآخر : حالة الشعب ؟حالة البلاد ؟ حالة كورونا ؟ حالة المساجد ؟ حالة المستقبل الصحي ؟ حالة مستقبل جامعاتنا ؟ حالة مستقبل أولادنا ؟
قال آخر : هذي لازملها مركز دراسات وسنة تفكير ثم نضع برنامج، ويعطيونا الحكم ونبدأ التطبيق ؟
قال الثالث : والله إن الأمر جِد، اتركونا نتكلم عن المستقبل الاقتصادي، ولقد قرأت لك يا أستاذ قبل أيام وأنت تقول بأن الحل في إقتصاد المعرفة والاقتصاد الذكي فمن أين نبدأ ؟
قلت : اتفقتم أن نتكلم عن الاقتصاد، فعلى بركة الله، ولكنني أريد أن أسمع أكثر مما أتكلم ؟
وبدأ نقاش علمي منهجي، طُرحت فيه آراء كثيرة محترمة حول الاقتصاد والعلم والمعرفة، لا أستطيع أن أكتب هنا ما قال كل واحد ولكن ملخص الحديث كان حول نقطتين :
- تقييم وضع علاقة الاقتصاد بالعلم والمعرفة والذكاء.
- الحلول الواجب الذهاب إليها على المدى القريب والمتوسط.
وملخص ذلك في جملة من الأمور :
- أن يكون المسؤولون في مستوى محترم من العلم والذكاء والاخلاص والنزاهة
- أن تُعطى أهمية للبحث العلمي التطبيقي العملي وخاصة المنتج.
- أن تخصص المساحات الفارغة في الجامعات إلى مزارع ومشاتل نموذجية ومنتجة
- أن نبدأ في البحث وإنتاج المواد الأولية التي تدخل في التصنيع كي لا نستوردها وبلادنا تزخر بذلك.
- علينا أن نستغل المساحات الشاسعة، في الهضاب العليا والسهوب ، من أجل تحقيق الاكتفاء الغذائي
- من الضروري تغيير نمط التغذية من العجائن والسكر والزيوت التي معظمها مستوردة إلى الخضر والبقوليات وتوسيع مساحات انتاجها
- الذهاب الفوري إلى الطاقات البديلة والمتجددة، الشمسية والرياح، قبل أن نجد أنفسنا مدفوعين إليها دفعا مع انتهاء عصر النفط والغاز.
- استغلال الطاقات العلمية والذهاب إلى الاقتصاد الذكي اللامادي
économie intelligente immatérielle
ومواضيع أخرى تطرقوا إليها متعلقة : بالمناجم الخاصة الاكتنيدات واللانتنيدات
Actinides et lanthanides
ومختلف العناصر الكيميائية التي توجد في أرجاء وطننا وهي مستقبل الصناعات الدقيقة كما أنها هي أحد فروع الصراع الصيني الامريكي في البرمجيات...
أدلى كل واحد برأيه بحرية وشفافية منقطعة النظير، كنت أستمع وأصغي بإهتمام لكل كلمة ولكل رأي دون أي أتدخل، قال الدكتور( ز. ل ) :وأنت ماذا تقول ، اعطنا رأيك بكل وضوح؟
قبل أن أتناول الكلمة استأذن أحدهم وطلب الكلمة وقال في هدوء عاصف، أو بقوة هادئة، قال عندي كلمات يجب أن أقولها وتسمعوها وتبلغوها :
- ماذا تنتظرون من إنسان فاشل في حياته الشخصية والعائلية والعملية ثم يوضع في مراكز القرار على المستوى المحلى أو المركزي .
- ماذا تنتظرون من مفكر وباحث يخاف أن يقول كلمة الحق ويهاب أن يدلي بالرأي الذي هو مقتنع به
- وماذا تنتظرون من شباب سُلب منه التفكير وسُلب منه المستقبل .
- وماذا تنتظرون من شعب يرمي مليون خبزة يوميا في المزابل ومع النفايات مصنوعة من سميد وفرينة وزيت وسكر كلها مستوردة ومدعمة
- ماذا تنتظرون من إدارة لا تصدق مع مواطنيها ولا تستقبلهم وإذا تحركت كأنها مواكب ملوك وسلاطين فتغلق الطرقات وتشل الحركة وتتعطل مصالح الناس
- وأخيرا ماذا ينتظر منا المجتمع نحن الباحثين الذين لا نبادر لإصلاح المجتمع وتغيير الذهنيات وكل همنا هو دراسات وأبحاث ومقالات علمية تضاف إلى رصيدنا من أجل الترقية ...
كانت كلمات قوية، قالها بهدوء، بعده رجعت إلي الكلمة فقلت:
لن أزيد عن كلامكم أي شيء، فأنا اليوم رجعت إلى مقعد الدراسة، فكنت في جلسة علم، وجلسة عصف ذهني، استفدت كثيرا، فهل تأذنون لي بكتابة مقترحاتكم لعلها تقع عند من يستطيع تطبيقها اليوم أو غد.
إبتسم أحدهم وقال : والله كنت أتساءل هل ستكتب عنها أم لا، أنا أقول أكتب وروح القدس معك ...
ضحك البعض وابتسم الآخرون ففهمت أنه إذن منهم بالكتابة ... قرب وقت الحجر أو ربما فات بدقائق، توادعنا دون مصافحة متمنين الخير لهذا البلد ولهذا الشعب وأن يتقبل الله الصيام والقيام ...
أما الآن وفي هذه الأثناء أشرقت شمس اليوم الثالث من رمضان ... لقد ذهب عُشر رمضان
1/10 بقي منه 9/10 لعلها تكون لنا زادا في طريقنا إلى هناك ... فنلقى الأحبة محمد صلى الله عليه وصحبه والوالدين والاحباب والمشايخ الذين سبقونا بعد أن نؤدي ما علينا، تجاه الدين والوطن، بإعانة الله وقدرته.
د. عبدالقادر سماري