الدكتورعبد القادر سماري

خربشات ذكرى وتذكر فلا تلوموني:

خربشات ذكرى وتذكر فلا تلوموني:
قبل قليل شاركت مع الدكتور عبدالرزاق مقري في تشييع جنازة المرحوم بإذن الله تعالى المجاهد السيد بلعيد عبدالسلام وهو من بين الرعيل الأول الذين كان لهم الفضل، بعد الله ، في إذكاء الروح الجهادية لدى الشعب الجزائري وتثبيت هويته العربية الاسلامية ودحر الاحتلال الفرنسي، وكان له دور مشكور في بداية السبعينات قبل وأثناء حرب 1973 وما بعدها في استعمال البترول كسلاح ضد العدوان الصهيو- أمريكي - اوروبي ، كنا شباب ونتابع تحركاته باعتزاز وفخر مع وزير النفط السعودي ( زكي يمني ).
لي مع إسم السيد بلعيد عبد السلام قصة طريفة، كنت طفلا في العاشرة من عمري وقد نجحت في السيزيام ( 1970 )، زرت مع والدتي( جميلة رحمها الله) بيت جدي المكي سلوم رحمه الله، التي لم تكن بعيدة عنا، كان الوقت شتاء، جلسنا مجتمعين حول الموقد مع جدي وأخوالي وخالاتي، وأثناء الحديث إلتفت إليّ خالي الاستاذ المجاهد الذوادي سلوم رحمه الله وقال لي : قف يا جمال ( في العائلة ينادونني جمال وهو إسمي الثاني مع عبدالقادر ) قال : لقد أحضرت لك شيئا سيعجبك، استخرج معطفا شتويا، لونه أزرق غامق، عليه إشارات البحرية، ثم ألبسنيه، وقال لي : امش إلى الباب، مشيت في تبختر إلى الباب، ثم ناداني قائلا : ارجع ولكن لا تسرع.
رجعت إليه أمشي الهوينا، حتى إذا اقتربت منه قال لي : أنت تصلح تكون وزير مكان بلعيد عبد السلام هذا الوزير الذي ملأ مكانه الجزائري الحر. ضحكنا جميعا وبت ليلتي فرحا مسرورا، وإسم هذا الوزير بلعيد عبدالسلام الذي ذكره خالي يتردد في ذهني، لم أكن أسمع به من قبل، بعد سنتين أو ثلاثة أصبح إسمه يذكر في كل نشرات الأخبار، مع حرب العبور والبترول كما أشرت أعلاه، تمر السنين إلى أن كانت بداية التسعينات، كنت وقتها عضوا بالمكتب الوطني لحركة المجتمع الاسلامي، وتم تعيين بلعيد عبدالسلام رئيسا للحكومة وكانت لنا عدة جلسات أثناء الحوار الوطني على إثر المأساة الوطنية. كان وطنيا صادقا ومناضلا مخلصا من أجل الجزائر، لمست فيه نظافة اليد وعفة اللسان، كنا نختلف معه في بعض القضايا.
بعد أقل من سنة ترك منصبه تحت ضغوط كثيرة لما استخرج ملفات بعض الأغنياء الجدد، وخاصة ما كان من قضية غرفة الصناعة والتجارة.
ثم كانت سنة 2001 لأُعَيَّن وزيرا للصناعات الصغيرة والمتوسطة، ويأتي يوم التنصيب لأجد نفسي في نفس المكتب الذي كان فيه السيد بلعيد عبدالسلام وزيرا للصناعات الخفيفة، تذكرت حينها قصتي مع هذا الرجل وأنا طفلا وماذا كان يقول خالي وعن نظافته وسمعته، قلت في نفسي : سبحان الله الاشارات الربانية.
وأنا وزير زرت خالي الذوادي في بيته، كان من حفظة كتاب الله، وكان من المحكوم عليهم بالاعدام أثناء ثورة التحرير، يعرفه سكان سطيف، عين ولمان، قصر الابطال، رأس الوادي، بعد الاستقلال اشتغل معلما في عدة أماكن منها ( وقاس، بجاية، بوقاعة، عين الروى ، عين ولمان ) أثناء زيارتي له كان ينصحني بالاستقامة وحسن السلوك والحفاظ على المال العام وحسن التسيير و تشريف العائلة، ذَكّرني بصديقه الشهيد عمي لخضر سماري، وقال لي : عمك مات في سبيل الله باش تصبح أنت وزير، طلبت منه أن يزورني في الوزارة، رفض.
لما رجعت إلى العاصمة إتصلت به وقلت له عندي أمر مهم ولا يمكن تأجيله.
جاءني إلى الوزارة جلسنا في المكتب، طلبت منه أن ينصحني، بدأ يسترسل في التوجيه والإرشاد، ثم قلت له : عندي طلب هل يمكن أن تقدمه لي.
قال: أنت تأمر وأنا أنفذ.
استحلفته بالله أن يقدم لي هذه الخدمة.
أقسم بالله أنه سيفعل، قلت له : يا خالي، أنت خالي وصاحبي رجاءً اضربني ب ( كف )
اغرورقت عيناه،وقال لي: يا سي جمال هذا لا يصح
قلت : لقد وعدتني وإنك قد أقسمت بالله
قال : ولكن لماذا ؟
قلت : هل تذكر ذلك اليوم الذي اشتريت لي فيه معطفا وأنا صغير وقلت لي : تصلح تكون وزير مكان بلعيد عبدالسلام فأعلم يا خالي أن هذا هو مكتب السيد بلعيد عبدالسلام لما كان وزير الصناعات الخفيفة ، وأريدك أن تضربني ب ( كف ) حتى أبقى أتذكر بأنني دائما صغير ويجب علي أن أشرِّف العائلة ولا يأتيكم مني أذى.
رفع يده ببطء، ووضعها على خدي، ضحكنا وبكينا، وقال لي : بلعيد عبد السلام كان رجلا أثناء الثورة وبعد الثورة، فكن مثله أو أفضل منه ...
رحم الله خالي الذوادي، رحم الله بلعيد عبدالسلام،
رحم الله الشهداء والعلماء والمصلحين.
اللهم اغفر وارحم لكل من كان له فضل على الجزائر وشعبها.
اللهم ألحقنا بهم على خير.
لا تلوموني عن هذه الخربشات.
د. عبدالقادر سماري