الدكتورعبد القادر سماري

رغم كورونا، ورغم الآلام والأحزان، فمظاهرالخير ومبشراته لا تنقطع في هذا الشعب :

رغم كورونا، ورغم الآلام والأحزان، فمظاهرالخير ومبشراته لا تنقطع في هذا الشعب :
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، من صباح اليوم، السبت، استفقت من نومتي، كنت قد نمت أقل من ساعتين، غير أنني أحسست كأني استغرقت في سهادي عشرات الساعات، توضأت، أديت بعض الابتهالات والمناجات، تزاحمت في فكري بعض الأحداث، المفرحة والمؤلمة، عن أيِّها أكتب؟ فتذكرت طلب بعض الأحباب بالأمس أثناء لقاء الصلح في ( مقرة ) حيث ترجوني أن أوثقه ببعض العبارات... فأطلقت العنان للكلمات ...
فقبل يومين كلمني أخي الأستاذ( اسماعيل زواوي ) ليقول لي : الجماعة في الحضنة يطلبونك يوم الجمعة مساء.
قلت: الحضنة طويلة وعريضة، فمن هم وما هو المطلوب؟
قال : سي (علاوة المقراوي ) وجماعته يريدونك في (مقرة) لجلسة صلح كبيرة.
قلت دون تردد: على بركة الله.
قال : بعد صلاة الجمعة سَنَمُرُّ عليك للبيت، سيكون معنا ألآخ( اليزيد مولاي)، ولكن كلم سي علاوة كي تفهم الموضوع.
بعدها تواصلت مع سي علاوة لمعرفة الموضوع، ثم مع الآخ اليزيد لتحديد الموعد.
وبالأمس بعد صلاة الجمعة، كانا عندي في بالبيت، تناولنا بعض المرطبات، أخذنا اللُّثم (الكمامات) وزرابي الصلاة ، ثم انطلقنا على بركة الله في السيارة مع دعاء السفر ( الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهم بك نصول وبك نجول وبك نسافر، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ومقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل).
أخذنا الطريق الوطني 28، مررنا بقرى ومدن في كلٍّ منها أهل وأحباب: مزلوق، قلال، إلى اليمين قصر الأبطال، على الشمال ذراع الميعاد، محاذاة يمينا عين ولمان، عن الشمال الشط، ثم دخلنا مدينة (صالح باي) تماما مع آذان العصر، دخلنا المسجد العتيق، أدينا الصلاة، بعدها حدثتُ مرافقي عن هذه البلدة الطيبة، التي نالت في سنوات خلت جائزة أنظف بلدية على المستوى الوطني، ثم حدثتهم عن ذكرياتي بها حين كان جدي الضيف سماري رحمه الله يأخذنا إلى زاوية بوسنة، ثم حدثتهم عن بعض أهل البلدة منهم من قضى نحبه رحمهم الله ومنهم من لايزال على قيد الحياة متعهم الله بالصحة والعافية، تعرف علينا أحد المصلين، رغم أننا كنا واضعي لُثُمِنا، سلّم، فرددنا السلام، دعانا فاعتذرنا، ثم كلمنا عن تاريخ المسجد، ودور الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله ورجال المنطقة في المحافظة على الدين واللغة والقيم والمباديء، استمعنا إليه ل واستمتعنا بكلامه اللبق، وأكملنا المشوار، قطعنا بلدية (الرصفة)، وبعدها تراءت لنا عن اليمين جبال ( أولاد تبان ) موطن أجدادي، فرحت أسرد تاريخها، رجالها، مآثرها، سهولها، جبالها، وديانها ... ثم على الشمال جبال ( بوطالب ) ذاك المكان الذي كلما تذكرته أو مررت به جال بخاطري أول ألم وأول حزن عرفته في حياتي، حزن جدتي وبكائها عن فلذة كبدها، إذ في هذه الجبال، جبال بوطالب، إرتفعت روح عمي ( سي لخضر ) شهيدا سنة 1958 وهو يقارع مع إخوانه، فرنسا الغاشمة الظالمة ، ومن هذه الجبال وصل الخبر إلى عائلتي قبل ولادتي، ولقد بقيت جدتي حزينة تبكيهِ حتى لحقته سنة 1996 إلى الفردوس إن شاء الله، قطعنا بعد ذلك ( رأس إسلي ) لِنَمٌر بعد ذلك بمنعطفات وأودية وحدائق ( سوبلة ) فراح مرافقي يتذكرون أحداث هذه المنطقة وآخر جلسة لهم بها مع بعض الجمعيات والاساتذة، ثم قرية ( واضح ) وأخيرا دخلنا مدينة ( مقرة )، أخذنا طريق ( عين الخضراء) إذ أن موعدنا في مزرعة ( سي علاوة ) كان الاستقبال حارا، كأننا في وفد رسمي، السيارات عن اليمين وعن الشمال، أصناف المستقبلين من كل الأعمار، فكان السلام والتحايا... وإلتزاما بمتطلبات الوقاية، وضع اللثام، التباعد، عدم المصافحة ولكن الكلمات كانت قوية ونظرات الحب والتقدير أقوى.
دخلنا إحدى الغرف الواسعة، تعرفنا على الحضور، كان من بينهم ( سي عزالدين ) شيخ( الزاوية الحجازية) ب ( رأس إسلي) و ( السيد جوادة ) أحد أعيان بوطالب مع بعض مرافقيه، وأساتذة ومشايخ من: سطيف، برهوم، روس العيون، واد سوف، بريكة، بلعايبة، عين الخضرة، مع مشايخ الأعين مقرة ... خلق كثير.
بعد تهيئة مكان اللقاء، على الهواء، في المزرعة، إفتتح( سي علاوة ) الجلسة، بادئا بإسم الله حامدا إياه وشاكرا، مصليا على المصطفى، ثم مُعَرِّفا بالقضية، وهي نزاع بين مجموعتين، كاد أن يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، ثم قدَّم رَأْسَيْ القضية ( سي فرحات، وسي الفضيل )، وبعدها طلب مني الكلام، فقلت وبإختصار: بعد الحمد والشكر والصلاة على الحبيب ما كان لي أن أتكلم قبل هؤلاء الرجال والمشايخ الذين أرى فيهم سمات العلم والوقار والحكمة، فاختاروا من يتكلم قبلي كي أعرف ما أقول.
فتداول الكلمة ثلاثة أفاضل: الشيخ إدريس قادري، الشيخ محمد الصالح إمام المسجد، وثالث لا أذكر إسمه الآن، وكان كلامهم مختصرا مفيدا لا يتجاوز بضع دقائق.
أما الشيخ إدريس فصال وجال بنا في معاني الأخوة والتصالح والإصلاح والعلاقة الإيمانية بين المسلمين.
وأما الشيخ محمد الصالح فكان كلامه موجه لطرفي النزاع طالبا منهم تصحيح نية حضورهم مع هذا الجمع وتصفية قلوبهم من الضغينة والحقد.
وأما الثالث : فقدم عرضا عن طبيعة الخلاف وكيف كان التحضير بجلسات قبل هذا اللقاء الذي سيكون خاتمة خير بعد استعداد الطرفين للصلح والمسامحة.
أعاد ( سي علاوة ) لي الكلمة قائلا : أن الجماعة يريدون سماعك.
فسميت الله وحمدته، وصليت على الحبيب، صلى الله عليه وسلم، وذكرت مناقب أهل المنطقة، ومنهم رجلين جمعتني بهما جلسات صلح وإصلاح فيما مضى وهما: الشيخ عيشوش، والشيخ محمد حساني الشريف، رحمهما الله، ثم ذكرت مقاصد ديننا الحنيف في حفظ العلاقات بين المومنين، وتوقفت مليا عند بداية سورة الأنفال ( يسألونك ... فقل ... وأصلحوا ذات بينكم ) ثم نظرات مع ما جاء في سورة النساء ( لا خير في كثير ... إلا ... أو إصلاح بين الناس ) ثم مع سورة الحجرات ( فأصلحوا بين أخويكم ) وكنت وقد أشرت خلال الحديث إلى حلف الفضول، وعرجت بعد ذلك إلى حقيقة الإسلام في بناء الأمة وما تحتاجه الجزائر في هذه الظروف.
بعدها طلبت من الطرفين التقدم إلى وسط الجمع وتبادل كلمات العفو والتسامح والإقبال على بعضهما البعض بالابتسامة والرضى ورد المظالم. في هذه اللحظات سقط اللثام وسقطت الكمامات ( نسأل الله العفو والستر )، وكانت العبرات والدموع وكلمات الصلح والإصلاح والتصالح والسماح والتسامح، كان مشهدا مهيبا، ختمناه بدعاء جامع وفاتحة الكتاب، حان وقت صلاة المغرب، طلبوا مني أن أؤمهم، فأَذَّنت وطلبت من الشيخ إدريس أن يصلي بنا، قرأ بعد الفاتحة في الاولى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا...) وفي الثانية ( قل هو الله أحد... ) في تلك الأثناء بدأت حبيبات المطر تتنزل، انهينا الصلاة فتحولت المطر إلى زخات ثم وابل، كبَّر الجمع وحمدوا الله، لم يروا المطر منذ أكثر من 7 أشهر، هكذا قالوا فكان فأل خير.
رجعنا إلى الغرفة الواسعة، تناولنا العشاء، دعونا لأهل البيت، دعونا للجزائر وللأمة وللبشرية أن يرفع الله عنها هذا الوباء، دعونا لموتانا بالرحمة والمغفرة ولمرضانا بالشفاء العاجل.
الحمد لله، حُقِنت الدماء، رُدّت المظالم ...
قفلنا عائدين إلى سطيف : (آيِبُونَ تَائِبُونَ عابِدُونَ ساجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ . صدقَ اللَّه وَعْدهُ، وَنَصر عبْده ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وحْدَه )
خلال رحلة العودة كان كلامنا عن قصة سيدنا موسى عليه السلام في سورة القصص وعلى الخصوص مع الإمرأتين وأبيهما.
وصلنا سطيف في حدود الثامنة والنصف ليلا، كان الحجر قد بدأ.
دخلت البيت : تعقيم، غسيل ،غرغرة، فمشروب سخن من الشيح والزعتر، يتخلله الدعاء.
يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم...
وتستمر الحياة.
د. عبدالقادر سماري