الدكتورعبد القادر سماري

كان هذا بالأمس، جلسة من الطراز الأول، كان يُفْرِغنا، خلالها، ثم يملؤنا:

كان هذا بالأمس، جلسة من الطراز الأول، كان يُفْرِغنا، خلالها، ثم يملؤنا:
أول أمس، وصلني خبر وفاة الشيخ المربي الأستاذ ( محمد مكركب ) حفظه الله، جلست إلى نفسي مسترجعا، مكبرا، مهللا، حامدا ومحوقلا، أخذت هاتفي حاولت الإتصال على رقمه ثم على رقم إبنه فلم أتمكن، جال فكري في محطات مختلفة من لقاءاتي مع الشيخ مكركب، قبل أكثر من 30 سنة، خلال الجلسات الأولى مع الشيخ محفوظ نحناح والشيخ بوسليماني رحمهما الله الرعيل الأول في الجماعة، وكانت كلها في سرية تامة، نتناول خلالها حالة الإسلام والجزائر والأمة، ثم اللقاءات المتتالية مع بداية الإنفتاح وتأسيس جمعية الإرشاد والإصلاح، وإسهاماته وإلهاماته سواء من خلال دروسه وخطبه أو كتاباته على صفحات مجلة ( الإرشاد)، ثم اللقاءات السياسية تحت مظلة ( حركة المجتمع الإسلامي ) والأدوار التي قام بها في إعداد البرامج والمناهج، تذكرت جلساتنا مع الشيخ عبدالرحمن شيبان رحمه الله، وكذا اللقاءات التي جمعتنا في المجلس الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في دوراته المختلفة، تذكرت إبتساماته ومداعباته ومُلَحه، تدحرجت قطرات ساخنة من عينيّ على وجنتيّ لم أشأ أن أمسحها، عندها رَن الهاتف، قرأت الإسم ( إبن الشيخ مكركب ) أسرعت بالسلام والاستفسار عن الشيخ، رد السلام وقال : الشيخ بجانبي هو معك.
تكلمت مع الشيخ طمأنني عن صحته وحالته، حمدت الله وشكرته، توادعنا بالدعاء ... كتبت منشورا على هذا الفضاء بأن الشيخ حي يرزق.
قضيت مساء أول أمس وليلته سائحا بفكري مع الثلة المؤمنة التي سبقتنا إلى هناااك، دعوت الله لي ولهم وللوطن والأمة.
مع فجر الأمس تواصلت مع بعض الأحباب وتواعدنا على زيارة الشيخ ( مكركب ) في بيته، حددنا الموعد، صلينا الظهر وانطلاقنا نحو البليدة، إلى مدينة الصومعة، كنا أربعة ( صاحب هذه الكلمات، الحاج سليمان دهيري، الحاج محمد نقاش ومحمد مكركب إبن عم الشيخ ) استقبلنا إبنه دخلنا قاعة الضيوف وأعيننا مشرئبة لرؤية الشيخ، فهو من البقية الباقية من أهل الفضل على الجزائر علما وجهادا ودعوة وسياسة وتربية، بل تعدت عطاءاته الحدود القطرية فلقد كانت له صولات وجولات في أقطار أخرى... بعد ثوانٍ
دخل علينا الشيخ بهيأته المعهودة، ووقاره الجم وإبتسامته العريضة وكلماته الهادئة مُسَلِّما ومُرَحِّبا، جلس مقابلا لنا، بدأ الغيث قطرات من الندى عن الأخوة الصادقة والحب في الله والتواصل في سبيل الله، وعن البدايات الحارقة التي جمعتنا خدمة للإسلام وللجزائر وللأمة وللبشرية كلها، كان الوابل صيبا نافعا عن فضل الله علينا بالإسلام والإيمان والقرآن المصطفى خير الأنام، ثم كان سؤالنا عن حاله مع هذا الوباء وهذه التغيرات التي تعيشها البشرية، فانهمر السيل وبدأ يملأ سدودنا الفارغة ويروي حقولنا العطشى، كلمنا عن حقيقة الفتن والإبتلاءات، ومما قال :
الناس أمام هذا الوباء أنواع :
- نوع أول: مؤمنون أتقياء صالحين يختارهم الله ليجعل منهم شهداء ( ويتخذ منكم شهداء ).
- نوع ثانٍ : مؤمنون عصاة تأتي هذه المحن لتذكرهم بالله ليرجعوا إليه ويتوبوا ( وليمحص الله الذين آمنوا ).
- نوع ثالث: عتاة، جبابرة، يتجلى الله لهم بعظمته وقوته وقهره، ليعلموا أنهم ضعاف لا يملكون من الأمر شيئا ( ويمحق الكافرين ) .
وضرب أمثلة لكل نوع.
ثم توقف عند كلمتي :
البلاء والإبتلاء، وكانت إشارات لطيفة، حيث قال : الإبتلاء: هو ما كان متوقعا حدوثه، أما البلاء فهو أمر لم يكن يُتَوقع حدوثه، وهو أشد على النفس من الإبتلاء، وضرب لذلك مثالين لحبيبي الرحمن: إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فقال : إبتلاء إبراهيم هو تكذيب قومه له إلقائه في النار وتعذيبه، أما البلاء فهو أن يأمره الله بذبح إبنه تمحيصا له وتأكيدا لإستسلامه لله قال ( إن هذا لهو البلاء المبين )، وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فكان الابتلاء أيضا بالتكذيب والتعذيب وأنواع الأذى والهجرة، أما البلاء فكان في أمر لم يكن متوقعا لقد كان في حادثة الإفك.
ثم انتقل بنا إلى معاني أخرى وهي أدق وأعمق حيث قال : الغريب فينا أننا نقرأ ونسمع عن ما حدث للأنبياء والمرسلين والصحابة والصالحين ولكننا نتناولها كقصص حدثت وانتهت ومضت وهي في الحقيقة إشارات ربانية بأن ما حدث لخير خلق الله سيحدث لمن يأتي بعدهم، هي إشارات لنا بأن نتهيأ لأنواع الإبتلاءات والبلاءات والإمتحانات من أجل التمحيص والإختيار والإختبار ( ما كان الله ليذر المومنين على ما أنتم عليه حتى يميز ... )، ولو كان هناك صنف من البشر يستحق السلامة العامة وعدم الامتحان لكان الأنبياء هم أولى بذلك ولكن الله جعلها سنة في جميع خلقه ونحن مطالبون بالاستعداد لكل ما يأتي منه سبحانه، وهذا لا يعني أبدا عدم التحضير والعدة وبذل الجهد وتخطي الصعاب بل نستعد ونجتهد ونتعبد بذلك لله، ونبقى دوما كما قال حفظه الله، ونبقى ضمن قوله تعالى في سورة القصص ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ...) ... ذهب في هذا بعيدا بالأمثلة والشواهد، ثم عَرَّجنا إلى قضايا أخرى، عن أحوال الشباب ودور المدارس والمساجد والمسؤولية الملقاة على عاتق المسؤولين، وضرب مثالا بما قام به أبوبكر رضي الله عنه في وجه الردة التي كاد العرب أن يرجعوا إلى جاهليتهم لولا حزمه وعزمه، ثم إبداعات عمر رضي الله عنه في الانتقال بالأمة من حال إلى حال أحسن، ثم تخطى السنوات إلى عمر ابن عبدالعزيز رضي الله عنه، وكيف استطاع خلال سنتين و شهرين من حكمه أن يحقق ما يشبه المعجزات في الإكتفاء الذاتي والرفاهية ونشر العلم والمعرفة، بدأ بنفسه وزوجته وأهل بيته وأقاربه وحاشيته، أصلح ذاته وأصلحهم، فصَلُح حال الرعية كلها في ظل خلافته، ولكن أهل الشر والفساد لم يعجبهم الأمر فقتلوه بالسم، وهذه هي طبيعة وسنة التدافع الدائم والمستمر بين الخير والشر.
ثم ذكر بعض المقترحات التي كان قد تقدم بها على صفحات مجلة ( الإرشاد ) ومختلف الندوات والمحاضرات والمتعلقة بضرورة الإعتناء بالنشأ وتخصيص جلسات توجيهية وتدريبية لهم ولو نصف ساعة كل ستة أشهر في إطار ما يسمى ( تحصين المتلقي )، وضرورة الإستماع للشباب والأخذ بآرائهم ودفعهم نحو الإبداع والمشاركة بالرأي والتنفيذ والقيادة وضرب مثلا بصاحب الرأي في غزوة بدر ( الحباب بن المنذر )، حيث قال للرسول صلى الله عليه وسلم ( يا رسول الله، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه أم هو الحرب والرأي والمكيدة؟ )
قال الشيخ مكركب: أنظروا إلى هذا السؤال، وفي حضرة من؟ سؤال للرسول في حضرة كبار الصحابة ؟ من شاب لم يتجاوز عمره 25 سنة، لو قاله اليوم شاب بل كهل لأي مسؤول في أي موقع لقال له : من أنت حتى تسأل أو تقترح؟؟ ثم ضرب مثلا آخر بسلمان الفارسي ورأيه في الخندق وغيرها من الشواهد ...
استمرت جلستنا مع الشيخ ( محمد مكركب ) ساعتين ختمها بدعاء شامل للحضور وأهليهم، للأموات بالرحمة وللأحياء بالصلاح وللمرضى بالشفاء وللجزائر شعبا وحكاما وللأمة والبشرية كلها... قمنا إلى صلاة العصر، أمَّنا بركعات سبحت خلالها أرواحنا في ملكوت الله، طافت أطيافنا مع الملائكة التي نعتقد أنها كانت تحفنا، استمطرنا الرحمات التي نأمل أن تكون قد غشيتنا ...
أخذنا صورا ... توادعنا ومآقينا تدفع وتقبض ...
اللهم لا تجعله آخر لقاء ... ويسر لنا لقاءات أخرى مع من نحب فيك ممن هم أحياء، وأجمعنا بالذين سبقونا إليك في مستقر رحمتك.
لقاء من لقاءات الطراز الأول، لا تبخلوا على أنفسكم بمثله فالحياة بهذه المجالس لها معنى وبدونها لا معنى لها.
د. عبدالقادر سماري