إنا لله وإنا إليه راجعون،
إنا لله وإنا إليه راجعون،
لله ما أعطى ولله ما أخذ،
وصلت عند صلاة المغرب إلى مدينة (مغنية) بالغرب الجزائري، أكرمنا إخواننا بأطباق شهية من مأكولات مغنية، كانت لنا جلسة إيمانية سياسية مع مجموعة من الإخوان، رجعت إلى غرفتي، قبل منتصف الليل بقليل، كلمت شقيقتي ( د. ن. سماري) استفسرها عن موضوع كان محور حوارها قبل أيام مع إذاعة سطيف، اطلعت على رسائلي فأخذ من جفْنَيَّ النومَ هذا الخبرُ فرحت أكتب هذا المنشور، ولساني يلهج بالدعاء وعيناي تمتليء ثم تصفو، خبرٌ أحيا ذكريات أكثر من 40 سنة :
"إنتقل إلى رحمة الله الأستاذ يوسف موسود إثر سكتة قلبية".
كلمت الدكتور عبدالرزاق مقري أستفسره، فأكد لي الخبر.
يوسف موسود، رحمه الله : مِن طبقة الشباب الأولى في الصحوة الاسلامية أواخر السبعينات بداية الثمانينات من القرن الماضي، شاب ترعرع في طاعة الله حفظ قسطا وفيرا من كتاب الله، درّس وحاضر في كثير من المساجد والمصليات بالمسيلة وسطيف والبرج وولايات أخرى، شارك في المخيمات والندوات وحلق التكوين و الذِّكر، عرفته سنة 1979 حين إلتحق كطالب سنة أولى بجامعة سطيف تخصص ( لغة انجليزية ) وكنت حينها السنة الثانية ( علوم دقيقة )، تعارفنا في مسجد جامعة سطيف لأننا كنا داخليين، جمعتنا الصلاة، والتلاوة، والذِّكر والمعارض الاسلامية، وسهرات الليل للدفاع عن ( مسجد الجامعة ) الذي كان يستهدفه الفرنكو شيوعيون ... الآخ يوسف د، رحمه الله، من الطبقة الثانية التي أرست وأقامت العمل الإسلامي في جامعة سطيف ونشرته في المدن والقرى والمداشر المجاورة، فالطبقة الأولى كانت من الدفعة الأولى للجامعة التي فتحت أبوابها سنة 1978 فكنا عشرة في أول صلاة بمرقد ثانوية المعز الدين الله الذي كان أول مرقد للطلبة عند افتتاح جامعة سطيف : صاحب هذه الكلمات والإخوة الآتية أسماءهم: كمال غربي رحمه الله، نصر الدين بن سالم، ابراهيم بوذراع، أحمد بن جدو، لحسن حلقوم، بوبكر بن الشيخ، حميطوش عمار، ساعد بورزق، بن زغيبة عبدالسلام ... ليلتحق في السنة الثانية 1979 عدد كبير من الطلبة الذين كانوا سندا لطلبة الدفعة الأولى فازداد البناء قوة واستوى وأصبحت الجامعة تشع على ما حولها، منهم على الخصوص : أحمد قاسمي، يوسف موسود رحمهما الله، والإخوة محمد خوجة، عبدالرزاق مقري، محمد سراي، الزايدي جربوعة، عبدالله تخنوني، شوقي عبدالرشيد، جمال عين أزال، عبدالحق، ابراهيم عابد، العربي بزغود، رابح ميريساني، بن حميميد كمال، زاوي محفوظ، نصر الدين مفتاح، العمري، أحمد برباشة ... وآخرون.
أخونا (يوسف موسود) رحمه الله كان وقورا، قوي الالتزام، شديد الحماس، لا تلين له عريكة، ولا يرضى بالذل والهوان، منافحا عن الدين، مدافعا عن الشرف جمعتني به عدة أعمال أهمها :
- فرقة الدفاع عن مسجد الجامعة حين تعرض لهجوم الفرنكو شيوعيين وفيها قصص يطول المنشور إذا سردت تفاصيلها.
- السفر إلى العاصمة لاقتناء وشراء الكتب لمكتبة مسجد الجامعة من معرض الكتاب الإسلامي الذي أقيم لأول مرة بالعاصمة سنة 1981 .
- توزيع الطلبة الحافظين لبعض الأجزاء من كتاب الله على بعض الأحياء والقرى المجاورة لمدينة سطيف لأداء صلاة التراويح بها.
وبقي عالق بذاكرتي أمران :
- الأول كان عدد الأخوات المحجبات قليل جدا بدأ بأختين سنة 1979، ثم بدأ العدد يكبر، وفي يوم شديد البرد كثيف الثلوج يقوم الطالب ( توفيق ) وهو من التيار الفرنكوشيوعيين فيتحرش بإحدى الأخوات ثم يضربها بالثلج، حدث ذلك أمام المدرج رقم 3 المقابل لمعهد العلوم الدقيقة الذي كنت فيه، ومحاذٍ لمعهد اللغات الذي به ألآخ يوسف، رأينا الحادثة، أسرعنا لنجدة الأخت، هرب منا، لحقناه فخرج من الحرم الجامعي من الجهة الجنوبية الشرقية عبر الغابة إلى وسط مدينة سطيف، لحقناه وأمسكنا به في مقهى ( شتواني ) وقدمناه إلى الإدارة ... كانت ملاحقة مثيرة.
- الامر الثاني كان يحدث تقريبا يوميا، كنت أتناوب على الآذان في مسجد الجامعة مع الإخوة( ابراهيم بوذراع و العربي بزغود ) ولما نخرج من المسجد كانت علاقاتي متعددة مع مختلف أنواع الطلبة والطالبات مصلين وغير مصلين، فكان يقول لي : يا سي عبدالقادر أنت مؤذن وتخالط هذه الاصناف إنني خايف عليك فأنت تريد أن تدعوهم فاحذر أن يجرونك نحوهم ... .
أخونا يوسف موسود، رحمه الله، له فضل كبير مع إخوانه في الكثير مما نحن فيه من انتشار للقرآن والسيرة والسنة والفقه والعقيدة السليمة والفهم الصحيح للإسلام بربانيته وشموله ...
إنتقل إلى رحمة الله وقد تجاوز الستين من عمره ببضعة أشهر، أتقدم بأحر عزائي وأصدق دعواتي لزوجته السيدة ( س. مقري أخت الدكتور عبدالرزاق مقري ) وأبنائه وأهله وأحبابه.
اعذروني إذا نسيت بعض الأسماء من الرعيل الأول والثاني بجامعة سطيف، ومعذرة للأجيال التالية بجامعة سطيف الذين هم جميعا مفخرة لدينهم ووطنهم وجامعتهم وأهليهم، فقد كانوا مصابيح هدى وضياء ونور لمن جاء بعدهم ، لم أتذكرهم ولكن الله يذكرهم، فطوبى لهم فكم هدى الله بهم من أصل وكم أصلح بهم من أحوال، لا يضرهم نسياني لهم ولا ينقص من شأنهم.
يحضرني الآن عشرات بل مئات الأسماء والصور رحم الله الأموات وأصلح حال الأحياء وختم لنا ولهم بخير .
د. عبدالقادر سماري
